عندما أعلنت اسرائيل في 28 مايو الماضي عن نجاح عملية مهمة على طريق تنفيذ خطتها التي وضعتها منذ نهاية الخمسينيات للغزو الفضائي، واستثماره، في تحقيق أحد أهدافها الاستراتيجية المتعلق بتأكيد التفوق التكنولوجي العسكري الذي يخدم هدفها السياسي الأساسي الخاص ببسط هيمنتها على منطقة الشرق الأوسط، وسيطرتها المعلوماتية على الدائرة الأوسع لمجالها الحيوي التي كشف عنها شارون في جلسة لجنة الدفاع والخارجية بالكنيست في 12 ديسمبر عام 1982 عندما كان وزيرا للدفاع، وحددت أنها تمتد من باكستان (حيث مفاعل كاهوتا النووي) شرقا الى الساحل المغربي على الأطلنطي غربا، ومن جنوب الاتحاد السوفييتي سابقا (جمهوريات اسيا الوسطى حاليا) الى جنوب أفريقيا (حيث كانت تجري التجارب النووية المشتركة مع النظام العنصري في الثمانينيات)، والمدخل الجنوبي للبحر الأحمر، وزيمبابوي (حيث تجمعات يهود الفلاشا) جنوبا. وكانت اسرائيل قد فشلت في يناير 1998 في اطلاق قمرها الصناعي (أوفيك) والوصول الى المدار المخصص له حول الأرض، حيث سقط في البحر المتوسط، أما القمر (أوفيك) الذي كان قد أطلق في 5 إبريل 1995 فقد انتهى عمره في نهاية عام 2000 بعد أن أدى مهمته، الأمر الذي تطلب من وجهة نظر اسرائيل الاسراع في اطلاق قمرها الأخير (أوفيك) لتحقيق المهام الاستطلاعية في المنطقة الممتدة من شمال أفريقيا وحتى باكستان وافغانستان، لاسيما في ضوء التطورات السياسية والاستراتيجية المتلاحقة سواء في منطقة الشرق الاوسط حيث يتوقع للصراع العربي الاسرائيلي أن يتجه الى مسارات ساخنة مع وجود حكومة شارون المتطرفة ذات الأهداف الايديولوجية، والاستراتيجية والتوسعية والعدوانية، مع اقحام ايران في دائرة هذا الصراع، وربما دول أخرى مثل تركيا، أو في منطقة جنوب اسيا حيث يحتدم الصراع بين الهند وباكستان حول اقليم كشمير. والقمر مزود بكاميرات وتلسكوبات استطلاع بصرية وأجهزة استشعار حرارية تمكنه من رصد عمليات اطلاق الصواريخ البالستية العربية الايرانية والباكستانية في منطقة عمله لحظة اطلاقها والتبليغ عنها في حدود 06- 1 دقيقة من لحظة الاطلاق، وبذلك يعتبر أيضا هذا القمر بمثابة قمر انذار بجانب كونه قمر تجسس كما يمكنه التنصت على المكالمات الهاتفية واللاسلكية بواسطة المعدات الالكترونية المزود بها، وبث اشارات فيديو بالغة الوضوح، ويبلغ الوزن الصافي لمعدات الاستطلاع والاتصالات 67كجم. وتعتبر الطاقة الشمسية هي المصدر الرئيسي للطاقة التي تشغل القمر بواسطة الصفائح الشمسية المزود بها (246 وات) ويدور هذا القمر دورة كاملة حول الارض، ويعمل في مدار بيضاوي بارتفاع من 250 كم إلى 700كم، وبذلك يمكنه توفير قدرة التقاط تمتد نحو 15 دقيقة من الاحداثيات الصادرة عنه، وذلك بمعدل 6 مرات يوميا، وتصل دقة الاحداثيات الى تصوير هدف مساحته 1 متر مربع. أما صاروخ الاطلاق فهو من طراز (شافيت) باليستي متوسط المدى يعمل بالوقود الجاف ذو ثلاث مراحل، شاركت مؤسسة الصناعات الجوية في تصنيع المرحلتين الأولى والثانية، أما المرحلة الثالثة التي تضع القمر الصناعي في مداره حول الأرض فقد قامت بتصنيعها مؤسسة (رافائيل) للصناعات العسكرية. ويبلغ مدى هذا الصاروخ 4500 كم، وتفيد مصادر أخرى للمعلومات ان الجيل الثاني فيه يصل الى 7500 كجم، وقادر على حمل رأس نووية. تاريخ البرنامج الفضائي الاسرائيلي يعتبر دخول اسرائيل في مجال الفضاء هو التسلسل الطبيعي والمنطقي لتطوير قدراتها العسكرية، خاصة بعد ان افتتحت النادي النووي منذ الستينيات حتى أجرت أول تفجير نووي سرى في النقب في أكتوبر 1966،. وعندما أوقفت فرنسا تعاونها العسكري مع اسرائيل في عهد ديجول بسبب عدوانها في عام 1967 استمرت اسرائيل في تطوير صواريخها من عائلة (أريحا) فأنتجت (أريحا ولارتباط هذه الأسلحة الهجومية الاستراتيجية بوسائل الحصول على المعلومات التي توفر البيانات اللازمة عن الأهداف المعادية التي سيتم ضربها، ثم تقييم نتائج الضرب، كان من المحتم على اسرائيل أن تغزو الفضاء لتلبية احتياجاتها المعلوماتية في هذا المجال بواسطة أقمار التجسس تمشيا مع التطور العالمي الجاري في أجهزة المخابرات، هذا من جهة ومن جهة أخرى لخدمة خطتها للدفاع ضد الصواريخ العربية التي تؤرق اسرائيل، برصد منشآت ابحاثها وتطويرها وتصنيعها وتجارب وأماكن وحداتها وطرق تحركها ومواقع اطلاقها®. الخ، وممايسهل على المقاتلات الاسرائيلية ووحدات الصواريخ المضادة للصواريخ الاسرائيلية (هوك، باتريوت، أرو) التصدي للصواريخ العربية في مرحلتي الاطلاق، والتحليق الوسيط قبل التوجه نحو أهدافها في المرحلة النهائية لرحلة هذه الصواريخ. لذلك بدأ اهتمام اسرائيل بالفضاء مبكرا جدا منذ عام 1958 عندما انشأ بن جوريون معهد التكنولوجيا (التخنيوف) في حيفا واحضر له خبراء وعلماء يهود من الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا متخصصون في الطبيعة النووية وهندسة الطيران وهندسة الصواريخ، وانشأ للفضاء قسما خاصا في هذا المعهد، وأرسل خريجوه للحصول على دراسات عليا في مجالاتهم من الخارج. وفي عام 1960 أنشئت اللجنة القومية لأبحاث الفضاء بواسطة الأكاديمية الاسرائيلية للعلوم برئاسة البروفوسير (ديفيد أفير) - بعد ثلاث سنوات فقط من اطلاق الاتحاد السوفييتي أول قمر صناعي في العالم، ثم كان اطلاق اسرائيل للصاروخ (شافيت) عام 1961 الذي حمل معدات أرصاد جوية لارتفاع 80كم. وبعد حرب 1967 تقرر رصد 200 مليون دولار يتم انفاقها على مدى 20 سنة من أجل تطوير قمر صناعي اسرائيلي، وفي عام 1974 بدأ البرنامج العلمي لاقتحام الفضاء تحت اشراف الجنرال حاييم بارليف. وفي سنة 1977 اعترفت المجموعة العلمية العالمية بانجازات اسرائيل في أبحاث الفضاء حتى عقد المؤتمر السنوي للمنظمة الدولية لعلوم الفضاء في اسرائيل وشارك فيه 500 عالم من ثلاثين دولة. وفي سنة 1983 انشأ وزير العلوم (يوفال تيئمان) الوكالة الاسرائيلية لاستغلال الفضاء (سلة) برئاسة البروفوسير (درور سرية) وفي سنة 1984 تم تشكيل مجموعتين من الخبراء أحداهما تعمل في اسرائيل، والاخرى في الولايات المتحدة من أجل تطوير القمر الصناعي الاسرائيلي، وتزويده باحتياجاته العلمية والتكنولوجية من الولايات المتحدة وفي يوليو 1988 ابرمت شركة (أجيت) الاسرائيلية عقدا مع شركة (فيرشيكر) الأمريكية للصناعات الالكترونية لتزويد اسرائيل باحتياجاتها اللازمة في قمر التجسس (أوفيك) وفي اغسطس 1988 تم توقيع عقد اخر مع الشركة الفرنسية (اريان سيبس) مالكة الصاروخ (ايريان)) لاستخدام هذا الصاروخ في اطلاق قمر الاتصالات (عاموس) في بداية 1993 وقد وضعت اسرائيل خطتها على مرحلتين: الاولى وتقضى باطلاق قمر صناعي للتجسس والانذار في أوقات التوتر والازمات، يكون قادرا على البقاء في الفضاء فترة زمنية قصيرة في حدود 1 - 3 أشهر، ويدور على مسافة قصيرة ويقدم معلومات عن التحركات الاستراتيجية، أما المرحلة الثانية فتستهدف اطلاق اقمار تجسس تستطيع التحليق على ارتفاع أعلى، ولها قدرة على البقاء لفترات أطول (من 2 - 10 سنوات))، وتحتاج إلى صواريخ بعيدة المدى، وفترة تجارب أطول تحدد لها 11 تجربة خلال عشر سنوات، وبالتالي أموالا ضخمة تقدر مابين 1 - 15مليار دولار. وقد لعبت الولايات المتحدة دورا بارزا في تطوير سلسلة اقمار أوفيك من خلال التعاون الوثيق الذي تم بين اسرائيل و(مكتب الاستطلاع القومي) الأميركي الذي كان يرأسه في الثمانينيات (ادوارد الوريدج) الصديق الحميم لإسرائيل، والذي عمل فترة في سلاح الجو الأمريكي، وهذا المكتب يعتبر من أكثر الأجهزة الأمريكية سرية لدرجة أن الادارة الأمريكية لا تعترف رسميا بوجوده وقد انشئ بالتعاون بين وكالة المخابرات المركزية والسلاح الجوي الأميركي بمهمة تنفيذ مهام الاستطلاع الفضائي وقد وفر هذا المكتب لاسرائيل فقط احتياجاتها التكنولوجية اللازمة لاطلاق اقمارها التجسسية وابرزها التلسكوبات البصرية وكاميرات التصوير ومعدات التنصت السمعي واجهزة الاستشعار الحراري والوقود الجاف اللازم للدفع الصاروخي بل وكان يمدها أيضا بنسخة من جميع الصور التي تحصل عليها اقمار التجسس الأمريكية لمنطقة الشرق الأوسط وتقارير تفسيرها كما اعترف المسئولون في وكالا (ناسا) للفضاء الأميركي بان الولايات المتحدة وقعت مع اسرائيل اتفاقا للتعاون على انشاء محطة فضائية تعتمد على اشعة الليزر لدراسة الجاذبية. أما الاتحاد السوفييتي السابق وروسيا حاليا فقد وفرتا لاسرائيل (منجما) من العلماء والمهندسين والفنيين المهاجرين اليها منذ الثمانينيات لاسيما العاملين في تكنولوجيا الفضاء لذلك انشأت اسرائيل معهدا اخر في عام 1986 وهو معهد (أشر) لتطوير بحوث الفضاء، ولتعزيز التعاون مع المؤسسات الخارجية العاملة في هذا المجال ويعمل في هذا المعهد علماء في الفيزياء وهندسة الطيران والفضاء وعلوم الكمبيوتر والهندسة الكهربائية، ومعظمهم من العلماء الروس المتميزين ويركز هذا المركز نشاطه على تطوير أقمار تجسس صغيرة. وفي احدى حلقات النقاش التي أقامها معهد (آشر) حول هذا الموضوع، تحدث قائد سلاح الطيران السابق الجنرال (دان حالتوس) عن أهمية تطوير أقمار صناعية صغيرة (ميكرو) لاغراض التجسس وليس من الضروري ان يتم اطلاقها من محطات ارضية بل يمكن اطلاقها من طائرة مقاتلة مثل (اف - 15) وبذلك يمكن تقليل تكاليف التصنيع وقد عرضت مؤسسة (رافائيل) للصناعات العسكرية تطوير قمر صغير (ميكرو) لاغراض الأبحاث يقل وزنه عن مائة كيلو جرام يطلق الى الفضاء من طائرة مقاتلة بواسطة جهاز اطلاق خاص تزود به الطائرة اطلق عليه (انور شاحور) تم استخدامه من قبل في اطلاق الصاروخ المضاد للصواريخ (أرو) ويعتمد في بنائه على تكنولوجيا اطلاق الصاروخ جو - أرض (بوب أي) ومن جهة نظر علماء (رافائيل) فان اطلاق الاقمار الصناعية بواسطة الطائرات المقاتلة يشكل تطورا جديدا في مجال الفضاء، حيث يستطيع جهاز (شاحور) ادخال الأقمار الصغيرة الى مدارها حول الارض بارتفاع من 500 كم الى 1500 كم بالاضافة الى ميزات الوزن الخفيف وقلة التكاليف وعدم الحاجة الى قواعد اطلاق ارضية فانه يمكن اطلاق هذه الاقمار الصغيرة من أي مكان في العالم، والتحرر من القيود المرتبطة بالاطلاق من اسرائيل (من الشرق الى الغرب) حتى لا تسقط أقمار التجسس في أراض معادية لاسرائيل، الا ان الاساس في تنفيذ هذه الخطة هو تكاليفها، حيث يبلغ سعر القمر الصغير المزود بكاميرا متناهية في الصغر ووسائل اتصال متقدمة حوالي 5 - 8 ملايين دولار. وبذلك يمكن اطلاق 25 قمرا صناعيا صغيرا تغطي المنطقة العربية والاسلامية من باكستان الى ساحل المغرب. وبجانب المزايا الاستراتيجية التي تحققها اسرائيل من وراء برنامجها لغزو الفضاء، والمتمثلة في تمتعها بالاستقلالية المعلوماتية عن الولايات المتحدة، وتدعيم استراتيجية الردع النووي بماتوفره اقمار التجسس من معلومات تخدم الضربات النووية الاسرائيلية، وتعزيز استراتيجية الدفاع الصاروخي، فإن هناك ميزات اقتصادية اخرى تتمثل في تسويق اقمار التجسس والاتصالات والارصاد الاسرائيلية الى دول صديقة لها، بل أيضا في بيع الصور التي تحصل عليها أقمار التجسس الاسرائيلية الى دول أخرى. ـ خبير استراتيجي مصري