اذا كنت من اولئك الذين ما زالوا يؤمنون بأن الولايات المتحدة هي النموذج العالمي الاعظم في هذا العصر للمساواة امام القانون «بغض النظر عن الجنس او اللون او العرق او العقيدة الدينية» فإنني اقترح عليك ان تتوقف امام اربع حالات معينة وكيف تتعامل اجهزة العدالة الاميركية مع كل منها. اصحاب الحالات الأربع هم، وفقاً للترتيب الزمني لاعتقال كل منهم: جون ليند وزكريا الموسوي ورتشارد ريد وخوسيه باديلا. ولننظر اولاً في القواسم المشتركة بينهم: ـ كلهم مسلمون (ليند وريد وباديلا اتخذوا بعد اعتناقهم الاسلام اسماء اخرى). ـ كلهم مشتبه بهم بأنهم على صلة ما بتنظيم «القاعدة». ولننظر الآن في قصة كل منهم. جون ليند مواطن أميركي كان يقاتل في الاراضي الافغانية في صفوف قوات طالبان واعتقلته القوات الاميركية في ميدان القتال في مدينة قوندوز في الشمال الافغاني عقب هزيمة القوات الطالبانية وعندما نقل الى الولايات المتحدة كان المفترض ان يرسل بعد ذلك الى معتقل غوانتنامو في شمال كوبا لينضم الى المئات من رفاقه المعتقلين هناك دون محاكمة حتى الآن من عناصر قوات طالبان و«القاعدة» ليبقى مثلهم معزولا عن الدنيا. ولكن ليند مواطن اميركي بينما رفاقه ليسوا كذلك وكانت هذه الحقيقة كافية لمعاملته بصورة قانونية مختلفة. وبينما لا يزال الرفاق قابعين في زنازين معسكر غوانتنامو سيء الصيت بلا امل سمح لاسرة ليند بزيارته في معتقله داخل الاراضي الاميركية ومن ثم قدم الى محاكمة مدنية اجلت جلساتها. وحتى لو قدم معتقلو غوانتنامو الآن الى المحاكمة فانهم سوف يقدمون الى محكمة عسكرية بموجب «أمر رئاسي» أصدره الرئيس بوش يستثني المواطنين الاميركيين المشتبه بهم في قضايا الارهاب من المثول امام محاكم عسكرية. لكن هذا الاستثناء غير مطبق على حالة خوسيه باديلا رغم انه مواطن اميركي ومشكلة باديلا هي انه اميركي من غير البيض فحالته اذن تختلف عن حالة ليند الابيض ذي الاصل الانغلو سكسوني بينما باديلا ينحدر من اصول اميركا اللاتينية الاسبانية المختلطة بأصول من الهنود الحمر. باديلا معتقل الآن لدى وزارة الدفاع الاميركية لا وزارة العدل لانه تقرر ان يقدم الى محكمة عسكرية وربما يصدر الرئيس بوش تعديلاً على امره الرئاسي بطريقة ما تجعل من الممكن تقديم مواطن اميركي الى محاكمة عسكرية في «حالات معينة». اذا كان خوسيه باديلا سيقدم الى محاكمة عسكرية رغم انه مواطن اميركي فكيف نفسر قرار وزارة العدل الاميركية بتقديم كل من زكريا الموسوي ورتشارد ريد الى محكمة مدنية رغم ان اياً منهما ليس مواطنا أميركياً مثل باديلا وان كلا منهما ليس من سلالة البيض مثل جون ليند فالموسوي من اصل افريقي وريد من اصل آسيوي. باديلا كما نعلم متهم بالتخطيط لاعداد قنبلة اشعاعية والموسوي متهم بأنه عضو في فريق المختطفين الذين استخدموا طائرات ركاب في ضرب البرجين ومبنى البنتاغون في نيويورك وواشنطن رغم انه لسبب ما لم يشارك في العملية. اما ريد فإنه متهم بارتداء حذاء «مفخخ» لنسف طائرة أميركية كان احد ركابها. فلماذا اذن يقدم الاول الى محاكمة عسكرية بينما استثني منها الاثنان الآخران؟ الاجابة بسيطة لقد وقفت حكومتان اوروبيتان ـ فرنسا وبريطانيا ـ الى جانبهما بكل ما لدى الحكومتين من قوة قانونية ودبلوماسية. فالموسوي ليس مواطناً تابعاً لدولة عربية او اسلامية.. فهو فرنسي الجنسية.. ورفيقه ريد بريطاني الجنسية. وهكذا تلخص لنا الحالات الاربع اسطورة سيادة القانون والمساواة امام القانون في الولايات المتحدة «بغض النظر عن الجنس او اللون او العرق او العقيدة الدينية». منذ احداث سبتمبر يقبع داخل المعتقلات الاميركية سواء في الولايات المتحدة او معسكر غوانتنامو نحو 1200 شخص دون محاكمة.. وبلا امل في اي مستقبل. ومشكلة هؤلاء انهم من حيث الجنس ليسوا من البيض، وبالتالي من حيث اللون، وانهم من حيث الدين مسلمون. وفوق هذا وذاك فإن مشكلتهم الكبرى انهم ينتمون الى دول عربية واسلامية ترى في مبدأ سيادة القانون ضرباً من السفه بقدر ما ترى ان الاعتقال السياسي وما يتبعه من تعذيب هو القانون الطبيعي.