عندما اعلن الاتحاد المغاربي في السابع عشر من فبراير عام 1989 في مدينة مراكش المغربية، كانت الدول الخمس المشاركة فيه (الجزائر، المغرب، تونس، ليبيا، موريتانيا)، تأمل في ان تؤدي هذه الخطوة المهمة، لا الى اسقاط التناقضات والخلافات الثنائية القائمة بين اعضائه فقط، وانما الى خلق بيئة مغاربية جديدة من ابرز مميزاتها الانفتاح الكامل والثقة المتبادلة والتعاون الشامل في المجالات كافة. ولكن بعد ثلاثة عشر عاماً، هي عمر هذا الاتحاد الخماسي حتى الآن، لم يتحقق اي من هذه الاهداف قط. ففضلاً عن ان الاتحاد يعيش حالة شلل كامل منذ سبع سنوات، ظلت المشاريع المتفق عليها بين دول الاتحاد من دون تنفيذ على الرغم من تأكيد الاطراف جميعها على اهميتها وحيويتها ودورها المفترض في شد لحمة الاقطار الخمسة، بعضها الى البعض الاخر، وتعزيز مجالات التنمية والتطور الاقتصادي فيها. من المتفق عليه لدى مختلف المراقبين ان مشكلة الصحراء الغربية كانت ولاتزال من ابرز العوامل التي افسدت العلاقات الجزائرية ـ المغربية، كما اعاقت ولاتزال تعيق تطور العلاقات المغاربية في صورة عامة، نظراً لـ «القدسية» التي يضفيها كل من الطرفين: الجزائر والمغرب عليها. فبينما نرى اجماعاً وطنياً في المغرب على التمسك بمغربية الصحراء ورفض التفريط بأي جزء منها تحت اي ظرف من الظروف، نشهد حالة مماثلة في الجزائر، ولكن بدعوى دعم حرية تقرير المصير للشعب الصحراوي، او لوجود مصالح جزائرية استراتيجية، كون «الدولة الصحراوية» تتيح للجزائر منفذاً على المحيط الاطلسي، كما تشير مختلف التحليلات الموضوعية. صحيح ان مشكلة الصحراء كانت حاضرة عند اعلان «اتحاد المغرب العربي» عام 1989 ولم تمنع من تنفيذ هذه الخطوة آنذاك، بعدما اتفق على ان تترك القضية في مسارها الدولي والعمل على استكمال بناء الاتحاد المغاربي في الوقت ذاته ـ كما يقول المسئولون الجزائريون ـ لكن الصحيح ايضاً ان المسئولين المغاربة كانوا يعتقدون ان المناخات الايجابية التي سيولدها تشابك المصالح بين دول الاتحاد ستنعكس بالضرورة على العلاقات الجزائرية ـ المغربية حيث تؤدي في نهاية الأمر الى احداث تحول في الموقف الجزائري يسمح بالوصول الى تفاهم في المشكلة الصحراوية. بيد ان ذلك لم يحصل أبداً. بل على العكس من ذلك فقد حدثت تطورات مفاجئة أدت الى مزيد من توتر العلاقات بين البلدين والى اقفال حدودهما المشتركة والتي لاتزال مغلقة حتى الآن. نشاط ومشاريع في السنوات الأولى التي أعقبت قيام الاتحاد المغاربي، نشطت مؤسساته المشكلة على نحو أوحى بامكانية تحقيق انجازات كبيرة، لاسيما على صعيد تنفيذ عدد من المشروعات المشتركة وتطبيق اجراءات من شأنها توحيد الانظمة والقوانين في دول الاتحاد، وكذلك اتخاذ خطوات مشتركة لتشجيع حركة التنقل وزيادة التبادل التجاري والتعاون الفني على مستوى الافراد والمؤسسات الخاصة، فضلا عن المشاريع الاستراتيجية الكبرى وتوظيف الاستثمارات. ومن أبرز هذه المشروعات: مشروع قطار المغرب للسكة الحديد. والاوتوستراد الذي يمتد على شاطيء البحر الابيض المتوسط ويربط بين مدينة طنجة المغربية وتونس عبر العاصمة الجزائرية (يبلغ طوله نحو ألفي كيلومتر). وهناك مشروع أوتوستراد آخر يربط بين مدينتي «الداخلة» المغربية (أقصى الجنوب) ومدينة «نواديبو» الموريتانية. على الرغم من ان المشاكل الناشئة عن التناقض الجزائري ـ المغربي في شأن قضية الصحراء الغربية كانت دائماً تلقي بظلالها على عمل الاتحاد المغاربي منذ انشائه، إلا انه أمكن الحد من تأثيراتها في البداية، في ضوء رغبة معظم الأطراف في تحقيق انجازات مشتركة من شأنها خلق معطيات جديدة قد تؤدي الى تحسين المناخ السياسي المغاربي. لكن مطلع التسعينيات شهد عدة تطورات وأحداث مهمة انعكست في صورة مباشرة على الاتحاد ومؤسساته. إن توتر الوضع الجزائري الداخلي مطلع عام 1992 في أعقاب الغاء نتائج الانتخابات التشريعية التي جرت أواخر عام 1991 شكلت التطور الأول والأهم في مجال افساد الوضع الاقليمي نظراً لامتدادات الحدث الجزائري الى دول الجوار، لاسيما المغرب وتونس، بسبب وجود علاقات بين التنظيمات اللاسلطوية الناشئة في الدول الثلاث. وفي عام 1994 وقع حادث أمني في مدينة مراكش المغربية اتهمت الرباط الأجهزة الأمنية الجزائرية بتدبيره. وعلى الاقل اتخذت السلطات المغربية قراراً بفرض نظام التأشيرة على الرعايا الجزائريين، فرّدت الجزائر باغلاق حدودها مع المغرب. وفي أعقاب هذه التداعيات تدهورت العلاقات الجزائرية ـ المغربية وجرى تبادل الاتهامات بين البلدين فحمل كل طرف الآخر المسئولية عما حدث، ولم تنفع المساعي التي بذلت لاحقاً مع الطرفين لاعادة التفاهم بينهما. ومن المؤكد ان سوء الوضع الأمني داخل الجزائر ساهم الى حد كبير في استمرار القطيعة بين البلدين. ويعتقد العديد من المحللين ان الجزائر كان يهمها استمرار اغلاق الحدود مع المغرب لمنع عبور العناصر المشاركة في الأحداث الداخلية. كذلك فإن المغرب كان يخشى بدوره من ان تصبح أراضيه مسرحاً لأحداث مماثلة بسبب التعاون المفترض بين بعض التنظيمات المتطرفة في البلدين. خلال ذلك فرض الحصار الدولي على ليبيا بسبب حادثة لوكيربي، وقد أبدت القيادة الليبية انزعاجها من امتناع دول الاتحاد المغاربي عن التضامن معها، فاتخذت موقفاً سلبياً من الاتحاد وأوقفت تعاونها مع مؤسساته، كما رفضت تسلّم الرئاسة الدورية للاتحاد من الجزائر عام 1995 بعد ان تعذر عقد قمة الاتحاد في الجزائر في العام ذاته. ومنذ ذلك الوقت احتفظت الجزائر برئاسة الاتحاد، لكن أعماله ظلت مجمدة. يضاف الى ذلك الاشكالات الناشئة عن اجراءات التطبيع الموريتانية مع اسرائيل والتي زادت هي الاخرى في تسميم العلاقات المغاربية. ومنذ أواخر العام الماضي جرت سلسلة من الاتصالات وتبادل الزيارات بين مسئولي دول الاتحاد المغاربي أثمرت تفاهماً أولياً على اعادة الروح الى الاتحاد وتنشيط مؤسساته والعمل على تنفيذ المشروعات التي جرى اعدادها في أوقات سابقة. أما على الصعيد العملي فقد أسفرت المشاورات عن الاتفاق على عقد قمة الاتحاد «المعطلة» في الجزائر في العام 1995 بناء على طلب المغرب احتجاجاً على مواصلة اغلاق الحدود الجزائرية معه. وتؤكد مصادر متابعة للمسيرة المغربية ان ثمة عوامل خارجية ساعدت على تسريع خطوات اعادة تنشيط مؤسسات الاتحاد المغاربي، بالاضافة الى سقوط بعض العوامل الداخلية المعيقة. وتذكر هذه المصادر ان الاتحاد الاوروبي الذي ترتبط معه معظم الدول المغاربية باتفاقات شراكة وتعاون واسعة، شجّع ويشجّع باستمرار على انهاء القطيعة المغاربية وتحقيق الانفتاح الضروري الذي يجعل من التعاون الاوروبي ـ المغاربي أكثر فائدة للطرفين. وهو وعد بأن يدعم البنك الاوروبي للاستثمار للمشاريع الاقتصادية والتنموية المغاربية المشتركة، مؤكداً ان ذلك سيوفر فضاء واسعاً للتعاون الاقتصادي والتجاري بين ضفتي البحر المتوسط بما يزيد من فرص النجاح لمبادرة برشلونة التي تهدف الى انشاء منطقة متوسطية حرة قبل حلول العام 2012، موعد الانتهاء من تطبيق الاتفاقات كافة. الى ذلك، فإن العقبة الليبية التي كانت تؤخر تحقيق الشراكة الاوروبية ـ المغاربية الكاملة، لم تعد موجودة، نظراً لانهاء الحصار الدولي المضروب على ليبيا. وتبدو ليبيا الآن شديدة الحماسة لتعزيز التعاون الاوروبي ـ المغاربي، وهي بدأت تشارك في اجتماعات الشراكة المتوسطية، ولو بصفة مراقب حتى الآن، لكنها ستحتل مكانها داخل هذه الشركة (في الوقت المناسب) بعد تذليل العديد من العقبات التي تحول دون بلوغ هذه المرحلة في الوقت الحاضر. فالاتفاقات الاوروبية ـ المغاربية لم تتحقق إلا بعد سنوات عديدة من المفاوضات بين الاتحاد الاوروبي من جهة، وكل من دول المغرب العربي من جهة أخرى، وكانت الجزائر آخر الدول الموقعة على اتفاق الشراكة بعد تونس والمغرب. ومع هذا فإن المؤشرات الخاصة باحتمالات نجاح القمة المغاربية في الجزائر لا تشجع كثيرا على التفاؤل. فالعلاقات الجزائرية ـ المغربية تبدو حالياً في أسوأ مراحلها بعد تفجر الخلاف من جديد حول موضوع الصحراء الغربية، نتيجة للاقتراحات التي قدمها مبعوث الأمم المتحدة الى الصحراء جيمس بيكر. ففي حين جدّد المغرب تمسكه بمغربية الصحراء، والقبول بمنح المناطق الصحراوية حكماً ذاتياً موسعاً تحت سيادة المغرب، أعادت الجزائر تأكيد موقفها التقليدي القائم على أساس منح الشعب الصحراوي حق تقرير المصير. وفيما يخص القمة المغاربية تحديداً، فإن الجزائر ترى ضرورة الفصل بين قضية الصحراء الغربية ونشاطات الاتحاد المغاربي، بينما يدعو الغرب الى طرح موضوع الصحراء باعتباره أحد الموضوعات الرئيسية التي ينبغي على الاتحاد معالجتها. ونتيجة لاصرار القيادة الجزائرية على موقفها السابق من هذا الموضوع، برز من جديد احتمال تخفيض مستوى التمثيل المغربي في القمة بحيث يترأس رئيس الحكومة عبدالرحمن اليوسفي وفد المغرب بدلاً من الملك محمد السادس. وثمة مسألة أساسية أخرى ستكون موضوع تجاذب داخل اجتماعات القمة. فالجزائر تسعى الى ادخال تعديل على النظام الداخلي للاتحاد بحيث يتم تغيير قاعدة «الاجماع» المعتمدة حالياً في اتخاذ القرارات بقاعدة «الأغلبية»، وذلك لتجنب الوقوع في مشكلة «الفيتو» الذي يمكن ان تفرضه أية دولة من الدول الخمس الشريكة لمنع تنفيذ القرارات والمشاريع التي تعترض عليها. كذلك هناك اتجاه لطرح تعديل آخر يتم فيه نقل صلاحيات اقرار بعض المشاريع المعدة من «مجلس الرئاسة» الى «الأمانة العامة للاتحاد» حتى لا يؤدي التأخر في عقد اجتماعات القمة الى تجميد المشاريع المقترحة. والهدف من ذلك ايجاد آلية دائمة تسمح بمواصلة نشاطات مؤسسات الاتحاد وعملها الاداري الروتيني، بغض النظر عن الخلافات السياسية التي قد تقع بين قادة دول الاتحاد لهذا السبب أو ذاك. ولا يخفى ان الهدف الرئيسي من هذه التعديلات هو منع المغرب من استخدام وسيلة تعطيل مشاريع الاتحاد للضغط عليه من أجل حمله على التدخل المباشر لتسوية المشكلة الصحراوية، أو حتى اقناع الجزائر بفتح الحدود مع المغرب. أمين عام الاتحاد المغاربي حبيب بولعراس تساءل باستغراب: «كيف تكون غالبية البلدان المغاربية منضوية في منطقة التبادل الحر مع أوروبا اعتبارا من العام 2010 ولا تكون مندمجة فيما بينها؟». إن قادة دول المغرب الخمس الذين سيجددون لقاءاتهم «الوحدوية» بعد انقطاع دام أكثر من سبع سنوات، مطالبون بالاجابة عن هذا التساؤل البسيط، بدلا من الاكتفاء بالقول ان بناء الاتحاد المغاربي يشكل خياراً استراتيجياً بالنسبة لهم جميعاً. ولا بأس من ان تكون تجربة الاتحاد الاوروبي الناجحة والمتطورة باستمرار حافزاً ودافعاً للتمثل بها، ولتحويل أقوالهم الى أفعال. ولكن، هل يعقل ان تخوض الدول المغاربية تجربتها الوحدوية وتحقق النجاحات المطلوبة من جهة، بينما هي تقفل حدودها مع بعضها البعض وتخوض مواجهات تصل أحيانا الى حد الحروب المفتوحة من جهة أخرى؟!! ـ كاتب لبناني