مازلنا في اجواء الحديث الخاص بتكوين عادة القراءة والمطالعة لدى الاطفال. ومازلنا نلح من جديد على ان يتبنى الآباء والامهات هدف غرس حب المطالعة، في نفوس الابناء والبنات منذ السنوات الاولى لميلاد الطفل ان كان لديهم حلم في ان يروا اولئك الابناء والبنات يتقلبون في اجواء غنية بالمعرفة، وفي ظروف صحية تمنحهم الطاقة العقلية الكافية لارشادهم الى الطريق الصحيح مع الاستعداد الكامل من قبلهم لدفع ضريبة النجاح المتمثلة في الجهد والمثابرة وهو ما يمنحه العلم لأهله بسخاء ليس له نظير. كل ما تحتاجه اي أسرة لتكوين علاقة ناجحة بين الطفل والكتاب هو ان تجعل عين الطفل تراه وتلحظه منذ الشهور الاولى لميلاده على النحو الذي يصور له ان هذا الشيء وهو الكتاب او القصة بصورة اكثر تحديداً امر يخصه ويعنيه ويرتبط بوجوده تماماً كما تعنيه العابه واشياؤه الخاصة التي يتعامل معها بحب وحماس ويراها عالمه الخاص الذي لا يقبل عنه بديلاً، ولا يرضى ان تمتد الايدي اليه فتأخذ ما يراه ملكاً خاصاً به وحده دون ان يسمح لكائن من كان ان يسلبه إياه ولو لفترة قصيرة من الزمن. خير من تحدث في هذا الموضوع الكاتبة الغربية برنيس كلينان في كتابها الذي اسمته «اقرأ لي» وهي كاتبة متخصصة في ثقافة الطفل، وترى ان الخطوة الاولى في تحقيق علاقة فريدة بين الطفل والمطالعة ان يتيسر الكتاب للطفل الصغير على صورة تجعله في متناول يد الطفل في كل وقت وحين. وتقترح لذلك الهدف ان يكون الكتاب موجوداً بين العابه، وكأنه قطعة تكمل مجموعته الخاصة التي يرتبط بها، فاذا ما ذهب ـ وهو كثير ما يذهب ـ الى صندوق الالعاب كان الكتاب بانتظاره.. كما تقترح الكاتبة برنيس كلينان، ان يوضع كتاب خاص بالطفل على طاولة الطعام حيث يلهو الطفل قريباً من امه، بالملاعق الصغيرة الموجودة على الطاولة، ومعها تداعب أنامله الغضة تلك الاوراق فيقلبها تارة، ويتركها تارة أخرى في لهو محبب ومغامرة فريدة مع تلك الاوراق الجميلة الملونة التي تتكون منها تلك القصة التي وضعت بين يديه. وحتى لا تتعرض الاوراق للتلف السريع جراء هذا العبث الطفولي يفضل ان تكون من النوع المقوى، او ان تكون مغلفة بطبقة من البلاستيك لحمايتها من التمزيق على يدي الطفل الصغير. قد يقول قائل: ان الطفل في هذه السن المبكرة لا يفهم شيئاً من تلك الصور او الحروف التي تتكون منها كلمات القصة التي بين يديه. والجواب هو ان هذه المرحلة لا تتطلب من الطفل ان يكون عارفاً بالقراءة، بل هي مرحلة سابقة لاكتساب الطفل المعرفة بالقراءة او الكتابة، وهي مرحلة مبكرة على استعداده العقلي لفهم محتوى الاوراق التي بين يديه. المطلوب في هذه السن مساعدة الطفل على ان يكتشف بالنظر واللمس عالم الكتب والصور، وان يعقد صداقة والفة بينه وبين هذا العالم الساحر الجذاب. ومن الطبيعي ان يتبع هذه المحاولة، خطوات اخرى ولكن بصورة اكثر تطوراً، حيث انه من المناسب في هذه المرحلة «مرحلة العامين وما تليها من الاعوام» ان يقوم الاب، او الام بالقراءة اليومية للطفل الصغير، ولو لبضع دقائق معدودة مما يثري لغة الطفل بالالفاظ المعبرة، ويعود أذنيه على سماع الكلمة بشكل صحيح، وهو يوفر له مخزوناً لغويا جيداً وهو لا يزال في سن صغيرة. واذا علمنا ان ابن الخمسة اعوام يستطيع ان يخزن ما بين5000 الى 6500 كلمة في ذاكرته تأكد لنا مدى الظلم الذي يتعرض له حين تهمل تلك الاستعدادات، وتترك للخادمات الاسيويات ليقمن بدور المرشد اللغوي الفاشل، فيسمعن الطفل كلمات هجينة لا هي عربية ولا هي اعجمية، ولكنها لغة مستحدثة انشأنها لتيسير التخاطب مع افراد الاسرة، وبحكم الملازمة الطويلة بينهن وبين الاطفال قمن بإعطاء دروس لغوية فاشلة.. اربكت الطفل، وعطلت تلك الاستعدادات الخلاقة التي لديه، وهو ما يجعل المسافة التي تفصل بين الطفل وبين الثقافة المطلوبة تبعد اميالا واميالاً!! m-alnaymi@maktoob.com