وكأن الرئيس بوش الغارق في مشاعر الحرج والذنب امام ناخبيه لا يكفيه ما هو فيه، اذا به يزداد حرجا على حرج بسبب التصريحات الجديدة التي يخرج عليه بها كل يوم رؤساء دول أكدوا انهم حذروه مسبقا ولم يأخذ تحذيراتهم على محمل الجد كالرئيس المصري والرئيسة الفلبينية والمخابرات البريطانية والله اعلم على من يحين الدور في الغد اذ يبدو ان الكل كان يعرف مسبقاً عن امر الهجمات. وربما يكون ذلك صحيحا لكن التصريح بمثل هذه الامور بعد ان وقعت الفأس في الرأس هو آخر ما يريد ان يسمعه الرئيس الاميركي المحاصر بالاتهامات الآن. ولكن هل كان بالامكان فعلا تجنب هجمات 11 سبتمبر وما الذي كان يتوجب على الادارة الاميركية فعله؟ هل كان يتعين عليها اغلاق المجال الجوي بأكمله امام صناعة الطيران وتكبيدها خسائر فادحة ام اخلاء ناطحات السحاب والمباني الحكومية في نيويورك وواشنطن قبل الشروع باعتقال جميع المسلمين خاصة ذوي الملامح الشرق أوسطية منهم والزج بهم في السجون بما في ذلك الملايين ممن يحملون الجنسية الاميركية؟ وهل كان يفترض منها بعد ذلك شن ضربات عسكرية بالصواريخ النووية ضد افغانستان والسودان واي بلد آخر مشتبه بإيواء أسامة بن لادن وشبكته وبذلك تكون المهمة قد اكتملت. وحتى لو تم تنفيذ كل ذلك هل سيكون هذا كافيا لايقاف مجموعة صغيرة ممن لم نعد نعرف كيف نصفهم استشهاديين ام انتحاريين من تنفيذ هجمات مشابهة في أميركا؟ لا اعتقد ان اية حكومة يمكن ان تضمن حماية مواطنيها من مثل هذا النوع من الهجمات مثلما هي لا تضمن ان تحميهم من الكوارث الطبيعية او حوادث الطائرات والقطارات التي تزهق فيها مئات الأرواح ورغم ذلك فهذا هو ما يتوقعه الجميع من الادارة الاميركية. والمشكلة هي ان الجدل المحتدم حاليا لا يعطي الكثير من التفاصيل عما حدث قبل الهجمات بقدر ما يكشف عن الكيفية التي استحوذت فيها ثقافة الخوف والحذر والتآمر على المجتمع الاميركي بعد احداث 11 سبتمبر. المفارقة الغريبة هي ان ادارة بوش المتهمة الآن بأنها كانت تعرف الكثير عن نوايا وخطط شبكة القاعدة هي نفسها التي لم تكشف استخباراتها حتى الآن الا القليل جدا من التفاصيل المتعلقة بالكيفية التي تم بها التخطيط للهجمات ما كشف عن قصور شديد وفشل في قدرتها على جمع المعلومات. وهو ما يتضح الآن وكذلك اثناء حرب افغانستان اذ لا يزال مكان اختباء ابن لادن ومعاونيه مجهولا على الاستخبارات الاميركية بالرغم من امكاناتها الهائلة. واللوم والانتقادات التي تتعرض لها ادارة بوش بسبب ذلك انعكس في اسلوب تعاملها مع كل شائعة او كذبة او معلومة مشكوك بها تردها الآن اذ تجد نفسها مضطرة لاطلاق سلسلة لا تنتهي من التحذيرات لتخليص نفسها من اية مسئولية في المستقبل ما جعلها مسئولة بشكل مباشر عن اشاعة اجواء الخوف والذعر بصفة مستمرة. وقد اصبح الامر اشبه بالهوس فقد ذهبت الادارة الاميركية إلى حد الاستعانة بخدمات هوليوود حيث طلبت من صناع افلام السينما تخيل سيناريوهات محتملة لهجمات مستقبلية كي تكون مستعدة لها. بيد ان ما يحتاج ان يفهمه الشعب الاميركي هو ان حتى رئيس اكبر قوة عظمى لا يستطيع ان يوفر لهم الحماية اذا ما شاء الرب عز وجل ان يوقع بلاءه عليهم. ورغم انهم ينعتوننا اليوم بالارهابيين الا اننا كمسلمين نستطيع ان نقدم لهم دروساً في كيفية تقبل امور نعتبرها نحن في عداد الاقدار المكتوبة والمصائر المحتومة التي لا يمكن الهرب او النجاة منها، ببساطة اكبر فنريح بالهم ونستريح من موال 11 سبتمبر الذي دوخونا به.