علاقتي بالصديق الكاتب الكبير محفوظ عبدالرحمن قديمة تعود إلى أيام الدراسة في الجامعة. لم نكن بطبيعة الحال زملاء في كلية واحدة، فقد كنت طالباً في السنة الثالثة بقسم الاذاعة والتلفزيون عندما كان كاتبنا الكبير اطال الله في عمره ـ رغم ادعائه الشيخوخة لأسباب لا تخفى على الفطن ـ في قمة عطائه، يطالعنا اسمه عبر محطات التلفزيون على مسلسلات متميزة سريعة الايقاع محكمة الحوار رائعة الحبكة. تستطيع وأنت طالب على مقاعد الدراسة أن تستشف مزاج مدرسك منذ الدقائق الاولى للمحاضرة، فتعرف ان معركة من العيار الثقيل ـ أو أي عيار ـ قد نشبت في البيت خلال ساعات الصباح الاولى، أو أن ترقية قد نالها مجموعة من الاساتذة وتخطت استاذك فلم يحصل عليها، وهناك اسباب اخرى تستطيع ان تضع لها مئة سيناريو وسيناريو. كان مزاج مدرسنا الذي نتلقى على يده فنون «الاخراج الاذاعي» في ذلك اليوم ليس على ما يرام كما بدا منذ الوهلة الاولى لبدء المحاضرة التي استهلها بالتعليق وابداء الملاحظات على اشكال بعض الزملاء وملابسهم التي كانت عادية لم تخرج عن المألوف بدليل انها لم تكن مثار تعليق أو ملاحظة الاساتذة الآخرين يومها ولا هو نفسه قبل هذا اليوم. وعندما جاء دوري كان استاذنا الفاضل قد استنفد تعليقاته على الاشكال والملابس فسألني عن بلدي وعندما علم انني من الامارات انطلق في نقد لاذع لشركات الانتاج التلفزيوني التي كانت ايامها في قمة نشاطها في الامارات كمؤسسة الخليج للاعمال الفنية في دبي واستوديوهات عجمان الخاصة، وصب جام غضبه عليها لتعهدها ورعايتها لبعض الكتاب والمخرجين والفنانين الذين اختار لهم من النعوت ما اسعفه به مزاجه المقلوب يومها، وكان اسم كاتبنا ـ الذي لم تكن تربطني به اي علاقة وقتها ـ من بينها. وعندما انهى الاستاذ (الذي كان من مخرجي الاذاعة القدامى) محاضرته التي لقنني خلالها درساً في كيفية اختيار الكتاب والمخرجين والممثلين والكومبارس وعمال الديكور وجدت نفسي امام خيارين: اما ان اختلف معه فأنبري للدفاع عن اناس لا اعرفهم ولا تربطني بهم اي صلة ابتداء من شركات الانتاج وحتى اصغر عامل من عمال الاستوديو واكون بذلك قد وضعت نفسي في خندق الاعداء وجوقة مفسدي الذوق العام المتآمرين على ذائقة المشاهد العربي، وتجار الشنطة الذين يحملون سيناريوهات مسلسلاتهم من محطة إلى محطة للمتاجرة بها! فأخسر بذلك رضا استاذي واكسب عداوته التي ستكون نتائجها وخيمة في نهاية العام الدراسي، واما أن انصب المقصلة لكل تلك الاسماء التي كانت تقدم فناً مختلفاً وقتها وأنبري لمهاجمتها مضيفاً إلى ما ذكره من نعوت ما لم تسعفه ذاكرته به، وبذلك انال الرضا واتفادى عواقب الانتصار للحق والانصاف والدفاع عن النهضة التي كانت تقودها تلك الشركات في تلك الفترة بتشجيعها للاقلام والمواهب الشابة وفتح مجالات الابداع لها كي تثري الشاشات العربية بأعمال درامية شهد لها الجميع بالجودة والتميز. وكان الحل الذي هداني إليه تفكيري ساعتها للخروج من هذا المأزق هو تجاهل الامرين وتحويل الموضوع إلى الحديث عن النصائح التي يرى استاذنا توجيهها إلى المسئولين عن جهات الانتاج تلك، والاسماء التي يرشحها لهم بدلاً من تلك الاسماء التي اعترض عليها، واعداً اياه بنقل وجهة نظره القيمة اليهم لتصحيح المسار، ويبدو ان الفكرة قد راقت لاستاذنا وخففت من حدة ثورته، فعاد إلى سياق الدرس وجعل هذه النصائح موضوعاً لمحاضرة ذلك اليوم. الطريف في الأمر انني قد قابلت استاذي هذا بعد هذه الحادثة بعشر سنوات تقريباً في مبنى التلفزيون المصري «ماسبيرو» بالقاهرة فلم يتعرف علي بطبيعة الحال ـ ربما بحكم تقدم السن به ـ أو لم يتصور انني ذلك الطالب الذي صب جام غضبه عليه يوماً ما لذنب لم يرتكبه وامر لا ناقة له فيه ولا جمل، ولم أشأ أنا بدوري أن اذكره بذلك الموقف تفادياً للحرج اولاً، ثم خشية ان يسألني عما اذا كنت قد اوصلت وجهة نظره تلك للمسئولين عن جهات الانتاج التي وعدت بنقلها إليهم وقتها تخلصاً من الموقف، او ان يطلب مني تنفيذها بعد ان اصبحت في موقع يسمح لي بذلك. اما الاطرف من ذلك فهو انني عندما رويت هذه الحادثة لكاتبنا محفوظ عبدالرحمن ـ الذي غدا صديقاً ـ بعد سنوات من وقوعها جاوزت العشرين، وذكرت له اسم الاستاذ فلم يستطع التعرف عليه، واستغرب هجومه حيث لم تربطه به اي علاقة من اي نوع في اي وقت من الاوقات. تذكرت هذه الحادثة وانا اتابع واعايش رحلة صديقنا محفوظ وتنقله بين استراحة البيان وملحق الخميس الذي حاولت ان اجد لنقله اليه من المبررات ما يطفيء ثورة غضبه وتذمره وتعبيره عن الاحساس بالوحدة، حتى اذا ما طاب له المقام في ذلك المكان وتكيف معه، وأسلم امره لله اذا به ينقل مرة اخرى إلى الاستراحة لأجد نفسي مطالباً مرة اخرى بايجاد مبررات مقبولة لهذا النقل الذي لم يؤخذ فيه رأيي كما لم يؤخذ منذ اكثر من عشرين عاماً عندما استعانت به شركات الانتاج في دبي وعجمان واليونان. وكي اتفادى هذا الموقف رأيت أن أجس النبض من خلال مكالمة هاتفية لصديقنا العائد لمكانه الطبيعي بين كتاب الاستراحة بعد ان اشتد عود الملحق واصبح يصدر يومياً بدلاً من «بيان اليوم». وكانت المفاجأة عندما وجدته خالي الذهن من هذا الأمر لأن الجريدة لم تصله منذ ما يقارب الشهر لأسباب تتعلق بالتوزيع، وهنا اسقط في يدي ووجدت نفسي في موقف الدفاع عن ادارة التحرير التي فاجأتنا جميعاً بهذه الحركة التي تشكر عليها، فالواقع اننا نحن ـ كتاب الاستراحة ـ الذين كنا نشعر بالبرودة لابتعاد كاتبنا المبدع عنا، وقد عاد الدفء إلى منتجع الاستراحة بعودته إليها. وهكذا كانت استراحته التي عنونها بـ «العود أحمد» رسالة عتاب ولوم ومصالح حفظ لنفسه فيها خط العودة إلى ملحق الخميس أو أي ملحق عندما اعلنها صراحة بأنه يحس بحنين شديد اليه، وكأني به أراد أن يحتفظ لنفسه بخط رجعة غير مطمئن لما يمكن ان يخبئه له القدر. قارئة كريمة علقت على احتجاج صديقنا محفوظ وتذمره من عملية النقل قائلة: اذا كان الاستاذ محفوظ يحتج على نقله من الاستراحة إلى ملحق الخميس ثم عودته اليها.. فماذا يقول إذن الاستاذ جمال الغيطاني الذي اصبحنا نبحث عنه في صفحات الجريدة كما يبحث الاطفال عن «فضولي» في مجلة «ماجد»؟! ولا تعليق من جانبي، فلست أنا الذي يحرض كاتبنا الكبير جمال الغيطاني هذه المرة على رفع راية الاحتجاج في وجه ادارة التحرير ولست من محبي اشعال الحرائق وان كنت جاهزاً للمساهمة في اطفائها.