ترى الادارة الاميركية ان الدور المتنامي لدول الاتحاد الاوروبي في الساحة الدولية يمكن ان يهدد مكانتها كقوة متفردة في نظام ما بعد الحرب الباردة، بدليل ان دول الاتحاد الاوروبي خاصة الدول الفاعلة منها، كفرنسا، بدأت تعلن عن رغبتها في الانفصال عن المظلة الاميركية، بل ان هذه الدول بدأت تطالب بأن يكون لاوروبا دور مميز في الحياة الدولية الجديدة، لان تعقيدات البيئة الدولية وما افرزته من مشكلات دولية تتطلب مشاركة كل القوى الفاعلة في ادارة الشئون الدولية والازمات.. وقد عبرت فرنسا صراحة بلسان الرئيس الفرنسي جاك شيراك عن التصور الاوروبي لادارة الازمات فقال فيما قاله: ان اي قوة دولية مهما كان وزنها العسكري والاقتصادي لا يمكن لها ان تدير الحياة الدولية بمفردها من دون اشراك الحلفاء الرئيسيين، وقد لقى تصريحه سخط بعض صناع القرار في الادارة الاميركية الذين فسروا التصريح الفرنسي بأنه تلميح للولايات المتحدة الاميركية على ان اوروبا يجب ان يكون لها دور في ادارة الازمات باعتبارها لاعباً جديداً يجب ان يحسب له الف حساب.. فأوروبا بعد اتفاقية ماستريخت التي وضعت نواة الاتحاد الاوروبي والتي ساهمت بشكل كبير في انجاح مشروع العملة الموحدة اعطت الاتفاقية اوروبا شعوراً بأن الوقت حان لكي تقول كلمتها ويسمع صوتها لانها قوة تريد ان يكون لها مكان في الترتيب الجديد للنظام الدولي الذي تسعى الولايات المتحدة الاميركية للتفرد به، واذا ما قارنا بين موقف دول الاتحاد الاوروبي خلال حرب الخليج والحرب التي اسقطت نظام طالبان سوف نلاحظ فرقا كبيراً بين الموقف الاوروبي من حرب الخليج والموقف من حرب افغانستان فخلال حرب الخليج شاركت دول الاتحاد الاوروبي الى جنب الولايات المتحدة الاميركية مشاركة كاملة عسكرية ولوجستية ومالية، بل ان هناك من الدول الاوروبية كفرنسا مثلا من فتحت اجواءها لعبور الطائرات الاميركية، ولكن خلال الحرب التي شنتها الولايات المتحدة الاميركية على نظام طالبان لم تتلق الولايات المتحدة مساندة كاملة من دول الاتحاد الاوروبي باستثناء بريطانيا التي شاركت في العمليات العسكرية إلا ان بقية الدول حتى وان كانت اعلنت تأييدها للولايات المتحدة الاميركية في حربها على ما اسمته بالارهاب الدولي تحفظت في الانسياق الاعمى خلف المشاريع الاميركية لمحاربة الارهاب، وهذا ما يظهر ان الدول الاوروبية حتى وان كانت لاتزال غير قادرة على الانسلاخ من المظلة الاميركية إلا انها بدأت تأخذ قرارات جريئة تعبر عن كيانها المستقل ويتأكد ذلك من خلال تعاطيها مع ملف الشرق الاوسط والذي تتبنى الدول الاوروبية فيه موقفا مختلفا كليا عن التصور الاميركي للسلام في الشرق الاوسط، فالتصور الاوروبي يلقى قبول الاطراف العربية لانه يرتكز على القرارات الدولية ويدعو الى قيام دولة فلسطينية بغير التصور الاميركي الذي لايزال رهينة للتصور الاسرائيلي ويعمل على ابقاء الوضع على ما هو عليه واضعاف السلطة الفلسطينية من الداخل وارغامها على الدخول للمفاوضات وهي ضعيفة ومختلة لكي لا يتبقى لها إلا التوقيع على اتفاقيات تراعي المصالح الاسرائيلية. لقد ظهر الخلاف الاوروبي ـ الاميركي حول ملف الشرق الاوسط حول دور ياسر عرفات في ادارة ملف السلام في الشرق الاوسط فبينما تصر الادارة الاميركية على ضرورة استبعاده ولو ضمنيا من المفاوضات إلا ان معظم الدول الاوروبية تعاطت معه واعلنت على انه الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني وذهبت الدول الاوروبية الى ابعد من ذلك عندما ارسلت ممثلين عنها الى مدينة رام الله عندما احتلتها قوات شارون وحاولت لقاء ياسر عرفات، إلا ان رئيس الوزراء الاسرائيلي رفض السماح للوفد الاوروبي بلقاء عرفات، وكان هذا الرفض بمثابة صفعة ورسالة ارادت اسرائيل ومن خلفها الولايات المتحدة الاميركية ان توجهها للدول الاوروبية بأنها غير راضية من سياستها حيال الشرق الاوسط حتى ان من الصحف الاسرائيلية والاميركية من ذهب الى وصف الدول الاوروبية بالدول المارقة لانها تقدم مساعدات مالية للسلطة الفلسطينية وان هذه المساعدات تذهب الى جيوب المقاومة الفلسطينية التي تنفذ عمليات فدائية في قلب اسرائيل!! لذلك يمكن القول ان التكتل الاوروبي اصبح يشكل هاجساً يقلق مضاجع الساسة في الادارة الاميركية فمحاولات الانفراد الاوروبي بالادارة الامنية والعسكرية والاقتصادية في اوروبا ومحاولات المشاركة في الادارة الدولية كلها مؤشرات تؤكد على الرغبة الاوروبية في الحصول على دور مؤثر في الحياة الدولية... وتقود فرنسا التوجه الاوروبي الجديد وخاصة بعد عودة الديغوليين الجدد الى الحكم برئاسة جاك شيراك الذي ما انفك يعلن صراحة وعلانية عن الحلم الاوروبي في احياء مجد اوروبا القديم، ولذلك نلاحظ ان معظم الدول الاوروبية بدأت تعمل جاهدة على التقرب اكثر من الدول العربية والدول الافريقية كمحاولة منها للحفاظ على علاقاتها ومصالحها الاقتصادية والتجارية مع هذه الدول لانها تعلم ان الولايات المتحدة الاميركية تريد ان تستحوذ هي الاخرى على كل مصادر الاقتصاد الدولي لكي تستطيع التأثير على الدول الاقتصادية الكبرى، وخوفا من امكانية ان تتحقق للدول الاوروبية مشاريعها الاستقلالية بعيداً عن المظلة الاميركية سارع جورج بوش الى القيام بزيارة لأوروبا مؤخراً لمحاولة اقناع الاطراف الاوروبية الفاعلة وهي فرنسا والمانيا بأن لها دوراً عليها ان تلعبه في الحياة الدولية وان تشارك الولايات المتحدة الاميركية في حربها على ما تسميه بالخطر الدولي الجديد «الارهاب» ولكن يظهر ان دول الاتحاد الاوروبي التي عبرت عن موافقتها للمشاركة في المشاريع الدولية الاميركية مصممة على الذهاب بعيداً بمشاريعها العسكرية والاقتصادية. ـ كاتب جزائري