ليس دفاعاً عن الحكومات والسلطات العليا في بلادنا وهي التي لم تترك مجالاً لأحد أن يدافع عنها بسبب العجز الفاضح في أدائها العام، وليس مناكفة للنخبة في مهمتها الارشادية والاصلاحية وإن كانت في وضع متراجع في اللحظة التاريخية التي نعيشها، وليس انصياعاً أعمى أو لهاثاً وراء حركة الجماهير وإن كانت قد أحسنت الأداء وقدمت أفضل ما عندها في امتحان اللحظة التاريخية التي مررنا بها ولانزال نعيشها في اطار معادلة المواجهة مع المستعمر الاسرائيلي وحماته الدوليين، أقول.. آن الأوان لأن نوقف هذا الهدر، بل النزيف الكبير والخطير للطاقات والجهود في معارك ما بات يسمى باصلاح البيت من الداخل. الاصلاح مطلوب الاصلاح مطلوب نعم.. والمشاركة الشعبية في صنع القرار مطلوبة ايضاً، بل ولازمة من لوازم الحكم الناجح، بل هي حق من حقوق الجماهير الواسعة التي تدفع ليس فقط ضريبة بناء الدولة ودورانها، بل ضريبة الدم للدفاع عن الوطن القطري الصغير والقومي الكبير، والديمقراطية مطلوبة كذلك كنهج متقدم في الادارة لتسهيل عملية تداول السلطة سلمياً، وحقوق الانسان في بلادنا حق أساسي ينبغي المطالبة به في كل الظروف والأحوال والعصور، وفي رأس تلك الحقوق حق ابداء الرأي والنقد والمعارضة، وكل هذا صحيح. ولكن أن يصل الأمر بنا للاعتقاد بأن سبب انتصار الأعداء علينا وتحديداً «اسرائيل والولايات المتحدة» ولو على سبيل المثال لا الحصر: «لأننا أمة لا تحترم حقوق الانسان ولا تملك ديمقراطيات ولا تقدر علماءها ومبدعيها» مقابل كون العدو الخارجي قدم مسلكاً مختلفاً تجاه مواطنيه، وبالتالي فإنه يمثل الأمة «الصالحة!» فيما نحن نمثل الأمة «غير الصالحة!» في هذه المعادلة واستناداً الى الآيات القرآنية وتفسير الشريعة السماوية، فهذا أمر ثقيل على كل مواطن عربي ومسلم كما أظن أياً كان مذهبه وانتماؤه الفكري فيما لو صدقت نواياه وأخلص في توجهاته الوطنية. أقول هذا لأنني سمعت مقدمة أحزنتني كثيراً من المنسق العام للمؤتمر القومي الاسلامي الذي انعقد في بيروت بتاريخ 5 ـ 6 يونيو أفادت بهذا المعنى وهو يقدم تقريره السنوي عن أعمال المؤتمر، ورغم كل التفسيرات والتبريرات التي قدمها مساعدوه وأياً كانت مقاصده وهي نبيلة بلاشك كما أعرف الدكتور عبدالملك المتوكل، لكنني أناقش المدرسة والمنهج هنا وليس النوايا والأشخاص. وبالمناسبة فإن المحاسبة في السياسة تأتي بالنتائج وليس على النوايا. وقبل ان نناقش المنهج المذكور، أجد لزاماً عليّ التأكيد أولاً بأنه ليس هناك اجماع بأن ما حصل في فلسطين خلال السنتين الماضيتين حتى بنتائجه العسكرية الحالية إنما هو «هزيمة وانكسار» لأن ثمة من يقدر الموقف بشكل مختلف ويعتقد ان الطرف الفلسطيني ـ العربي ـ المسلم هو الذي حقق التقدم، فيما العدو الصهيوني يتراجع، رغم مظاهر الغلبة العسكرية الظاهرية. قوة القانون أم قانون القوة؟ ولكن عودة للمنهج التحليلي محل النقد، فإنني أزعم بأن مدرسة التحليل هذه ستقودنا عملياً حتى وإن لم نكن نرغب في ذلك الى اعتبار الحكومات والسلطات في بلادنا هدفاً للجماهير والنخبة والعدو الخارجي حليفاً اجبارياً أو قسرياً. هذا ما سيفضي بنا الى خسارة المعركتين الداخلية والخارجية على السواء مهما كانت نوايانا حسنة وصادقة وذلك للأسباب التالية: أولاً: إن منهج التحليل هذا يوقعنا في مغالطات تاريخية خطيرة من حيث اعتبار أي منتصر بمثابة الطرف الصالح! وهذا ما ينافي الوقائع التاريخية، ناهيك عن تعارضه مع الحقيقة والحق. والأهم من ذلك كله منح المشروعية لسلطان القوة بدلاً من قوة الحق. ثانياً: إن هذا المنهج التحليلي وان بدا اهتمامه بجمهور الرأي العام والنخب و«المجتمع المدني» لكنه في الواقع يميل عملياً ميلاً واضحاً الى السلطوية ويمنح السلطان الدور الأهم في معادلة النصر والهزيمة باعتبار ان بيده مفتاح قلب المعادلة من الهزيمة الى النصر وبالعكس. ثالثاً: إن هذا المنهج إنما يمهد دون ان يدرك الى تدخل سلطان القوة الأجنبي لصالح «المنهج الديمقراطي» في ظل المعادلة الدولية الظالمة المتربصة بالتحولات القطرية والقومية للأمم والشعوب والكامنة للدخول على خط الفتنة الداخلية في اللحظة المناسبة. رابعاً: إن هذا المنهج سيجعل من النخبة هي الحلقة الأضعف في المعادلة الداخلية ـ الخارجية المحيطة بأنظمة الحكم باعتبارها المحرضة على الاستبداد والمستبدين، وبالتالي فإنه سيجعل الجماهير من دون دفاعات لقمة سهلة بيد تحالف السلطة مع الأجنبي. مسئوليات النخبة لكن النقطة الأكثر خطورة والأكثر حرجاً وجدلاً برأيي في تداعيات مثل هذا المنهج هي في الاستنتاج الآلي الذي ستلجأ اليه النخبة في معاركها من أجل الديمقراطية وحقوق الانسان والحريات بشكل عام فيما لو اتبعت مثل هذا المنهج. وهو ما ينبغي التحذير منه في هذه اللحظة التاريخية بالذات. أي ونحن نعيش موجة تجتاح النخب القطرية على طول الهلال الاسلامي من طنجة الى جاكرتا غايتها الوصول الى الحكم الديمقراطي بأي ثمن كان. وإلى هؤلاء جميعاً يجب ان نقول: حذار.. حذار من خسارة المعركة كلها سلفاً وقبل اطلاق الرصاصة الأولى. ونضيف: «ما هكذا تورد يا نخبة الديمقراطية»! فإن تختلف مع النظام العراقي نعم، ولكن ان يتم اجتياح العراق بغزو أميركي فلا وألف لا، أو ان يصبح التنسيق مع المخابرات الدولية ووزارات خارجية ودفاع الدول العظمى أمراً عادياً بل ومحبذاً! لتغيير الانظمة السياسية، فأمر غير مقبول ايضاً، ويجب ان يبقى من المحرمات. واما قتل واغتيال الضابط أو الشرطي المصري أو الجزائري أو العراقي فينبغي أيضاً ان يعلن بأنه من كبائر المحرمات. نعم، انه من واجب النخب العربية والاسلامية ان توقع اتفاق شرف فيما بينها يحرم على الجميع اطلاق النار على غير العدو الصهيوني، وإذا لم نتدبر أمرنا كنخب واعية ومثقفة ومسئولة، عربية كانت أو مسلمة، فإننا سنجد أنفسنا في التحليل النهائي واقفين والعياذ بالله في صف الأجنبي وهو يطلق النار على «الشقيقة»، ولن يبقى أي نظام سالم في معركة الفتنة الكبرى. ونحن من جهتنا نقول نعم، قد اختلف الواحد منا مع هذا النظام أو ذاك أو معها جميعا، لكن الاستعانة بالأجنبي كوسيلة للتغيير أو الاصلاح يجب ان تبقى محرمة. يذكر بأن الخليفة الرابع الإمام علي قال في لحظة احتمال وقوع هجوم للروم على منطقة نفوذ خصمه ومنازعه على الخلافة والسلطة معاوية: «والله لو فعلها ابن الاصفر لوضعت يدي بيد معاوية». واليوم، أليس المطلوب منّا جميعاً أن نواجه ابن الصهيونية شارون الذي يفعلها كل يوم وهو لا يفرق بين أحد منّا، وإن فاوضنا فإنه يفاوضنا فرادى لكنه يذبحنا جميعاً. أليس ما يقوم به هذا العدو مدعاة لنا للحذر واليقظة من دعوات اصلاح وديمقراطية «ابن الاصفر» الجديد. واحتمال وقوع السقف علينا جميعاً، والكلام موجه بالمناسبة للسلطات قبل النخب هنا، لعلها تكون البادئة بالمصالحة الوطنية! ـ كاتب ومحلل سياسي ايراني