تدمير البرنامج النووي الباكستاني ربما يكون احد الأولويات المؤجلة على قائمة الحرب العالمية الاميركية على «الارهاب». ربما يكون هذا الاستنتاج غريبا بالنظر الى العلاقة التحالفية القوية بين الولايات المتحدة وباكستان لمرحلة ما بعد 11 سبتمبر، تلك العلاقة التي تجسدت على الارض في الدور اللوجستي الاستراتيجي الذي قامت به ولاتزال تقوم به حكومة الجنرال برويز مشرف لصالح الحملة العسكرية الاميركية في افغانستان التي اطاحت بنظام طالبان. ولكن لنستدع الى الذاكرة الموقف الاميركي الثابت تجاه القوة النووية الباكستانية، فمن بين الثوابت الاميركية لحماية امن اسرائيل منع او تحييد اي قوة نووية في المنطقة الممتدة ما بين اليابان والساحل الشرقي للبحر الابيض المتوسط يستوي في ذلك البرنامج النووي الباكستاني المكتمل والبرنامج النووي الايراني قيد الانشاء، فكل منهما ينتج او سوف ينتج قنبلة نووية «اسلامية». وانسجاما مع موقفها هذا تستثني الولايات المتحدة البرنامج النووي الهندي. كان لابد من هذه المقدمة لنحاول تفهم المغزى الحقيقي لتدخل الولايات المتحدة كوسيط دبلوماسي بين باكستان والهند لمنع حالة التوتر الشديد بينهما في التحول الى مستوى قتالي. لقد تمثل احدث وأهم فصل في هذه الوساطة في زيارة دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الاميركي، فقد انحصرت المهمة السابقة على هذه الزيارة في خلق حالة تهدئة وقتية، تلك كانت مهمة مساعد وزير الخارجية ارميتاج، ومع انخفاض مستوى التوتر كانت مهمة رامسفيلد هي محاولة ايجاد تسوية سياسية للمدى الطويل. جاء رامسفيلد يحمل اقتراحا وملاحظة، اما الاقتراح فهو ارسال قوات اميركية الى منطقة الخط الفاصل بين الجزء الباكستاني من كشمير والجزء الاخر الذي تسيطر عليه الهند وذلك بغرض منع المقاتلين الكشميريين في الجزء الباكستاني من عبور الخط الفاصل الذي يطلق عليه فنيا «خط المراقبة». واما الملاحظة التي حملها الوزير الاميركي فقد لخصها في قوله ان هناك «مؤشرات» بوجود عناصر في تنظيم «القاعدة» في كشمير. الاقتراح اغضب الهند والملاحظة اغضبت باكستان. ورغم ان وزير الدفاع الاميركي اضطر لسحب كل من اقتراحه وملاحظته الا ان كليهما يعكس الرؤية الاميركية الحقيقية لقضية كشمير في اطار الظروف الاقليمية المتشابكة والتي من بينها واهمها من المنظور الاميركي امن الدولة الاسرائيلية. ان واشنطن لا ترى في حركة التحرر الكشميرية سوى بؤرة ارهابية تستوي في ذلك مع تنظيم «القاعدة» وحركة المقاومة الفلسطينية وهنا نكتشف صلة عضوية بين «اقتراح» رامسفيلد و «ملاحظته». «الملاحظة» هي البداية والاقتراح هو النتيجة فاذا في كشمير حضور لتنظيم «القاعدة» فإن القصد من «الاقتراح» بارسال قوات اميركية الى كشمير هو ان تشعل هذه القوات حربا للقضاء على المقاومة الكشميرية المسلحة. وربما تكون «الملاحظة» مختلفة اصلا لتصلح كتبرير لانزال قوات اميركية لانجاز الهدف الاهم وهو تصفية حركة التحرر الكشميرية. واذا كان من المفترض نظريا ان يكون التدخل العسكري الاميركي في كشمير ملائما للهدف الهندي في كسر شوكة المقاومة الكشميرية فلماذا رفضت الحكومة الهندية اقتراح رامسفيلد؟ اغلب الظن ان الهند، انسجاما مع ثوابت سياستها نحو قضية كشمير، ترفض من حيث المبدأ تدخل اي طرف خارجي لانها تخشى ان فتحت هذا الباب فان الامر قد ينتهي الى تحكيم دولي يكشف عدم شرعية الوجود الهندي العسكري في الارض الكشميرية. غير ان الولايات المتحدة سوف تواصل دعم الموقف الهندي، تجاه كشمير بالوسائل الاخرى غير العسكرية، فرؤية واشنطن نحو شعب كشمير تتطابق تماما مع الرؤية الهندية، فهو من منظور الدولتين شعب «ارهابي»، وعلى خط مواز تتطابق النظرة الاميركية مع النظرة الاسرائيلية بنفس القدر الى الشعب الفلسطيني.