كالعادة .. جاء يونيو «حزيران » ليقيم البعض نفس «المندبة» التي يقيمونها منذ خمس وثلاثين سنة، ويواصلوا نفس العويل الكاذب والتساؤلات العقيمة عما إذا كان ما وقع نكسة أم هزيمة؟ وما إذا كان عبد الحكيم عامر انتحر أم قتل؟ ولماذا خرجت الجماهير في 9و10 يونيو، وهل كان خروجها «مسرحية» أم انتفاضة حقيقية وتحركا عفويا؟ ولا حجر على الأسئلة مهما كانت وإنما المأساة أن البعض الذي احترف إقامة «المندبة» السنوية في يونيو لا يسأل ليفهم أو ليبحث عن الحقيقة، وإنما ليصفي حسابات شخصية، وليثأر من ثورة قادت الأمة في أصعب اللحظات وحققت معها أعظم الإنتصارات وقابلت في طريقها النكسات والهزائم، ولكنها ظلت على الدوام في قلب الأمة وعقلها وضميرها،. وها هي تستعد للإحتفال بمرور خمسين عاما على أعظم الثورات العربية بقيادة عبد الناصر الذي مازال بعدما يقرب من ثلاثين عاما من رحيله شوكة في حلق أعداء الأمة يحاولون عبثا اقتلاعها . وللشامتين الذين لا يريدون أن ينسوا الشماتة أو يتعلموا من التاريخ، والذين يقيمون عيدهم السنوي في الخامس من يونيو نقول :أنظروا حولكم يا سادة ـ إذا كانت عيونكم مازالت تبصر وعقولكم مازالت قادرة على الفهم ـ لتعرفوا لماذا كان الخامس من يونيو؟ حجم المؤامرة أنظروا حولكم لتدركوا حجم المؤامرة التي لم تتضح معالمها حتى الآن، ولتفهموا أن ما يجرى على الساحة العربية الآن ليس إلا استكمالا لما كان مفترضا أن يحدث قبل خمسة وثلاثين عاما، لولا أن الشعب العظيم تصدى للمؤامرة ورفض الاستسلام وانتزع من بين الظلمات فجرا جديدا كاد أن يكتب للأمة تاريخا آخر بعد الثأر للهزيمة في حرب أكتوبر، لولا أن أعداء الأمة نجحوا في سرقة الانتصار، ولولا أن القابضين على السلطة أهدروا الفرصة بعد أكتوبر كما أهدرها قبل ذلك مرات عديدة. نعم .. انهزمنا في الخامس من يونيو «حزيران »، وكانت لنا أخطاؤنا وخطايانا التي ساعدت في الهزيمة، ولكن ليس من بين هذه الأخطاء ـ كما يردد حزب 5 يونيو ـ اننا لم نرضخ للإدارة الأمريكية، أو أننا رفضنا الأحلاف العسكرية والسياسية المشبوهة، أو أننا صممنا على إنهاء الاستعمار الفرنسي والبريطاني للأرض العربية ورفضنا في الوقت نفسه أن ترثنا إمبراطورية أمريكية صاعدة وليس من بين الأخطاء ـ كما يردد حزب 5 يونيو ـ أننا سعينا لسيطرة العرب على مواردها.. من قناة السويس إلى البترول، أو أننا أصررنا على حق الشعب العربي في الحرية والوحدة والتقدم، أو أن مصر تقدمت لتساعد أشقاءها على التحرر أو لتبني تجربة في الوحدة مع سوريا وليس من بين الأخطاء ـ كما يزعم حزب 5 يونيو ـ أننا تمسكنا بتجربة في التنمية المستقلة كانت هي الأبرز والأنجح في العالم الثالث في ذلك الوقت لم تكن هذه هي أخطاؤنا التي مهدت للهزيمة، ولكنها كانت إنجازاتنا التي مكنتنا من المقاومة في أصعب الظروف .. ومع ذلك فحزب 5 يونيو مازال يدير نفس الأسطوانه وكأن الزمن لم يكشف عمق المؤامرة، وكأن الأحداث حولنا لم تفتح الباب لمراجعة كل المواقف، وكأن أصحاب «المندبة» يخشون من فقدان «وظيفتهم الوحيدة إذا توقفوا عن الندب والولولة كلما جاء يونيو ! نعم .. تعرضنا لهزيمة مروعة في يونيو، وكان أصعب ما فيها أننا لا نستحقها، وأننا كنا قادرين على التعامل مع العدوان الإسرائيلي والتواطؤ الأمريكي بصورة أفضل لولا الأوضاع السيئة في قيادة القوات المسلحة التي كان تركها في مواقعها هو الخطيئة الكبرى لعبد الناصر مهما كانت الأسباب التي أدت إلى ذلك وقعت الهزيمة بكل مراراتها وفي الوقت الذي كان الرئيس الأمريكي يحتفل مع عشيقته اليهودية وأصدقائه الصهاينة بما حدث، وفي الوقت الذي كان وزير الحرب الإسرائيلي ديان يعلن أنه يجلس بجانب الهاتف في إنتظار مكالمة من القاهرة تعلن الاستسلام، وفي الوقت الذي كان عبد الناصر يعلن تحمله المسئولية ويتنحى عن منصبه .. كان الشعب العظيم يقلب المائدة على الجميع، وكانت الملايين تخرج في شوارع مصر وهي لا تعبأ بالغارات التي تشنها الطائرات الإسرائيلية لكي تقول : لا، ولكي تطالب عبد الناصر بالبقاء في موقعه وكانت ملايين أخرى تنتفض في كل المدن العربية تردد نفس الهتاف وتتخذ نفس الموقف وتعلن رفض الهزيمة مهما كانت مرارتها. رفض الانكسار وبالطبع مازال حزب 5 يونيو يردد اسطوانته المشروخة عن أحداث التاسع والعاشر من يونيو التي يصفها بأنها «مسرحية» دبرها الإتحاد الإشتراكي والتنظيم الطليعي . وما أسخف اتهام شعب بأكمله بأنه كان مجرد كومبارس في مسرحية رديئة، وما أسوأ هذه الأذهان المريضة التي لا تعرف أن هذا الشعب كان دائما يعرف الموقف الصحيح في الأزمات، وتتفجر طاقاته الخلاقة وقت المحن، ويدرك في اللحظة الفاصلة من أين يجئ الخطر وكيف يحتشد في المواجهة . أتذكر أني سمعت خطاب التنحي من عبد الناصر في نقابة الصحفيين في قلب القاهرة، ونزلت على الفور قاصدا مقر الصحيفة «اخبار اليوم » على بعد عشرات الأمتار، ولم أكد أخطو بضع خطوات حتى وجدت نفسي وسط طوفان من البشر . رجال ونساء وأطفال بعضهم بملابس النوم، الكل خرج من منزله وكأنه أحس أن الخطر يداهمه في حجرة نومه وأن الوطن يحتاجه في هذه اللحظة، وأن عليه أن يقول: لا مهما كان الثمن . طوفان من البشر تختلط في أصواته كلمات الرفض بطعم البكاء وتنطلق من عيونه شرارة المقاومة رغم مرارة الأحزان . أي تنظيم هذا الذي يستطيع حشد الملايين في دقائق، وإذا استطاع حشدهم فمن أين يأتي بهذه المشاعر البسيطة الصادقة التي ترفض الإنكسار وتعلن وسط المرارة والألم ـ أنها تريد أن يبقى عبد الناصر لأنها معه تستطيع أن «تكمل المشوار ». نعم . كانت الجماهير تعرف أن مسيرة 15 عاما من البناء العظيم مهددة، وأن رحيل القائد في هذه اللحظات يعني الاعتراف بالإنكسار، وأن وجوده في هذه اللحظات هام لكي تواصل المقاومة وتنتصر على الهزيمة . ولم تكن جماهير مصر وحدها في الميدان بل كان كل بيت عربي تجتاحه نفس المشاعر، وكل مدينة عربية تجتاحها المظاهرات الملتاعة التي تريد أن تحمي المستقبل من الذين يقطعون الطريق على أي محاولة للنهوض العربي . وبالطبع لا يقول لنا حزب 5 يونيو كيف استطاع الإتحاد الاشتراكي أن يحشد الجماهير في كل الوطن العربي لتخرج في نفس اللحظة برسالة واحدة: ابق معنا لنكمل المشوار ونهزم الهزيمة . كان الأعداء ينتظرون إعلان الاستسلام، وكانت الأمة تراهن على قدرتها على الصمود وإصرارها على انتزاع النصر الذي يليق بها . كان الاعداء يتصورون أن هذه هي النهاية للثورة التي أقلقت مضاجعهم وللقائد الذي أشعل النار تحت أقدامهم، وكانت الأمة تدرك أن ما حدث كان انتقاما من الأعداء لفشلهم في محاصرة المد القومي العربي أو كسر الإرادة العربية المستقلة التي وقفت لمشروعاتهم للسيطرة على المنطقة بالمرصاد. مسيرة الثأر من الهزيمة ومن انتفاضة الأمة العربية كلها في التاسع والعاشر من يونيو انطلقت مسيرة الثأر من الهزيمة، وعلى مدى ثلاث سنوات قاد عبد الناصر أصعب معاركه .. وتم بناء جيش المليون مقاتل من الصفر، وخاضت مصر حرب الاستنزاف العظيمة التي لم تأخذ حقها من التقييم والتكريم حتى الآن، واستعدت مصر للعبور العظيم في اكتوبر. ولم يكن ذلك سهلا،ولكنه كان أمرا ضروريا لكي تستحق هذه الأمة الحياة وفي الطريق إليه كانت هناك عدة حقائق أظن أننا اليوم ـ وأكثر من أي وقت مضى ـ في حاجة للتأكيد عليها. كانت هناك حقيقة أولى وهي أن الأمة كانت على حق حين رفضت الهزيمة، ورفضت راية المقاومة في التاسع والعاشر من يونيو، وتمسكت بقيادتها، وأصرت على مواصلة الطريق حتى تحقق أهدافها في التحرير والوحدة والتقدم .كان الرهان صعبا، والتضحيات غالية، ولكن البديل كان أن تفقد الأمة كلها مبرر وجودها . وكانت هناك حقيقة ثانية، وهي أن الطريق الذي سلكته مصر قبل يونيو واستحق عداء الولايات المتحدة وتآمرها مع إسرائيل كان هو الطريق الصحيح .فالبناء الداخلي على قاعدة العدل والتنمية كان هو السبيل لتكوين جيش المليون الذي خاض أول حرب الكترونية في التاريخ وثأر في أكتوبر لهزيمته . والإنحياز للملايين ومحاولة تعويضها عن سنوات الحرمان والاحتلال هو الذي جعل هذه الملايين قادرة على الصمود في وجه الهزيمة، وهو الذي أتاح لهذه الجماهير أن تقول كلمتها وتفرض إرادتها وتصر على مواصلة المعركة وراء القيادة التي وثقت بها لأنها انحازت لها رغم كل الضغوط والمؤامرات . واختيار مصر لطريقها القوي الذي ربط مصيرها بمصير الأمة العربية كلها، وما قدمته من تضحيات في هذا السبيل لم يذهب هدرا . لقد كان الشارع العربي كله وراء مصر وهي تقول «لا» للهزيمة، وكانت رايات الاستقلال التي ارتفعت في الأقطار العربية مظلة تحمي عملية إعادة البناء للثأر من الهزيمة وحتى الحكومات العربية التي تصادمت مع القاهرة قبل يونيو .. أدركت في النهاية أن الهزيمة هي للعرب كلهم، وأن الثأر منها هو الطريق الوحيد لكي لا يتحول العرب إلى أمة منقرضة. وكانت هناك حقيقة أن امتلاك الإرادة المستقلة والقدرة على المقاومة هي طريق الخلاص حتى ولو كنا في مواجهة التحالف الأمريكي ـ الإسرائيلي فها نحن نبدأ عسكريا من الصفر بعد يونيو،ولكننا نستطيع الصمود ونرفض الركوع ونصر على استئناف المعركة. بالطبع كان هناك في هذه الظروف من ينصح بأن «نستجدى» الولايات المتحدة، أو «نتسول» منها السلام أو السلامة كما ينصحنا عقلاء هذه الأيام، ولكن الأمة التي خرجت في 9و10 يونيو كانت قد حسمت قرارها وأملت إرادتها وفرضت اختيارها الوحيد: المقاومة. وكانت هناك حقيقة أخرى وهي أن عبد الناصر حينما أطلق شعاره أنه «لا صوت يعلو على صوت المعركة » في هذه الظروف الصعبة التي يتم فيها الاعداد لاستئناف المعركة، فإن ذلك لم يكن يعني التستر على الفساد ولا تكميم الأفواه ولا الحجر على أي دعوة للإصلاح. بالعكس كان الطريق من يونيو إلى أكتوبر لابد أن يمر بضرب الفساد، وبإصلاح الأوضاع في القوات المسلحة، وبمظاهرات الطلبة وببيان مارس 68 الذي فتح آفاقا جديدة للعمل السياسي، وبالاعتماد على أجيال جديدة من الشباب قادت العمل السياسي والعسكري واستطاعت أن توفر للقوات المسلحة كل ما تحتاجه من الإمكانيات المتاحة، وأن تعبر أصعب الظروف التي يمر بها الوطن وهو يعاني جراح الهزيمة، وصعوبات المواجهة مع التحالف الأمريكي ـ الإسرائيلي، ومع ذلك استمرت عملية البناء الداخلي ولم تتوقف المصانع بل إزداد إنتاجها، ولم تئن مصر وهي تواجه غارات العدو المتواصلة والدمار الذي تسببه وملايين المهاجرين من مدن الجبهة والحصار الاقتصادي الذي تفرضه الولايات المتحدة. راية المقاومة ويجيء يونيو من كل عام، وينطلق سلاح «الندب» يلطم الخدود ويقيم سرادقات العزاء التي لا يدخلها أحد . أما نحن فنقف في اعتزاز نحتفل بالتاسع والعاشر من يونيو، حين هبت الأمة ترفع راية المقاومة، وترفض الاعتراف بأنها تستحق الهزيمة، وتؤمن أن ما أخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة، وأنها تملك الإرادة والقدرة على استرداده إذا أزالت المعوقات وحشدت الجهود وتحملت التضحيات . و.. ما أشبه الليلة بالبارحة!! فمازالت الأسئلة هي نفس الأسئلة: هل نستسلم للهزيمة أم نرفع راية المقاومة؟ هل «نستجدي» السلام أو السلامة، كما يبشرنا «العقلاء» أم نقاتل من أجل سلام حقيقي لا نستحق الحياة، إذا لم نتمكن من الحصول عليه؟ هل تعود الأرض بتقديم التنازلات أم أن ما أخذ بالقوة لن يسترد بغيرها؟ الجماهير العربية تعرف الإجابة، أما الأنظمة فمازالت تراهن على الاستعانة بصديق .. أمريكي!! ـ نائب رئيس تحرير «اخبار اليوم» المصرية