ان لدينا فجوة معرفية حول الوسائل العملية القادرة على تكوين علاقة ناجحة بين الطفل وبين الكتاب. هذه الفجوة الذهنية سببها ـ دون شك ـ غياب الوعي الكافي بدور المطالعة في تنمية شخصية الطفل وإكسابه مهارات عقلية هو احوج ما يكون اليها من جهته، ومن جهة ثانية الاستمرار في اتباع الطرق التقليدية التي تعتمد على الاوامر والتوجيهات دون توفير وسائل عملية تتناسب مع سن الطفل وتستجيب لحاجاته وامكاناته العقلية. في لقاء جمعني مع مجموعة من السيدات في برنامج يتناول موضوع «الوسائل العملية للارتقاء المعرفي» دار حديث ساخن حول موضوع القراءة لدى الاطفال اكد لي ان من بيننا من لديهم تصورات مشوشة ومفاهيم مختلطة حول الطريقة الصحيحة لتنمية حب القراءة والمطالعة لدى الاطفال. لقد بادرتني تلك السيدة بالقول: كيف تطالبيننا بان نفتح المجال لاطفالنا في البيوت ليمارسوا المطالعة الحرة؟! اني قلقة بشأن استحالة تحقيق مثل هذا الموضوع في المنزل!! فلما سألتها: ومن اين تأتي الاستحالة؟ اجابت: ان لدينا مكتبة كبيرة ومتنوعة وتحتوي على مئات الكتب ولكنها تخص الاب. وهو لا يسمح بالاقتراب منها، ناهيك ـ عن مطلبك الحالي ـ بان يصادق الطفل الكتاب، ثم تنهدت بالم وقالت: كيف تتحقق الصحبة مع مكتبة عليها يافطة تقول: ممنوع الاقتراب او اللمس!! المسألة محيرة ان كانت على هذا النحو الذي تصوره هذه السيدة!! فكيف نطالب الابناء بالعبث في مكتبة الاباء؟ والاباء المساكين تعبوا في جمع كنوزهم الثمينة التي نريد من الابناء ان يلعبوا بها!! ياللسخرية من هكذا حال.. يا للسخرية من هذه المفاهيم والافكار... لقد قلتها في نفسي ومازلت اقولها اننا نعاني من خلط شديد في امور غاية في البساطة والسهولة، وفيما يختص بتنمية عادة المطالعة لدى الابناء فالخلط شديد على هذا النحو الذي تثيره هذه السيدة!! فالصورة التي تتواجد بها كتب المطالعة في بيوت كثيرة ـ مع الاسف الشديد ـ تظهر على شكلين، الشكل الاول هو انه ليس ثمة مكتبة من حيث الاصل في المنزل، وبالتالي فالحديث يطول ويطول لدرجة اننا بحاجة الى تكوين مفاهيم جديدة لاولئك الاباء والامهات الذين ليس في بيتهم مكتبه. الشكل الثاني هو ان هناك مكتبة عتيدة جيدة الصنع، عظيمة الارتفاع، بها صفوف كثيرة، وارفف عديدة تحتوي على مجلدات ضخمة، ومراجع شاملة، وكتب عظيمة، ولكنها كما تعلمون ـ ملك للأب المثقف الذي جعل ما في المكتبة شأنا خاصاً به، غير انه يسمح للزوجة ـ ان كانت محبة للقراءة ـ ان تشاركه قراءة الكتب. ولو سألت هذا الاب القاريء: ومتى تسمح لابنائك بأن يأخذوا من المكتبة ما يشاؤون من كتب فيقول لك: مازال الوقت مبكراً، الا ترى انهم اطفال، ولهذا لن اسمح لهم باستخدام الكتب الا حين ان يكملوا المرحلة الاعدادية ويلتحقوا بالدراسة الثانوية. وهكذا على مثل هؤلاء الاباء ان ينتظروا ستة عشر عاماً لكي يصبح الطفل بين عشية وضحاها ذلك الطفل الخارق الملهم الذي سينزل عليه وحي القراءة والبحث فجأة وبدون مقدمات ولا اعداد مسبق ولا تهيئة من اي نوع!! انما هو الانتظار لسن السادسة عشرة واكثر، ليلتحق الابن بركب ابيه فيكون هذا الشبل حقاً من ذاك الاسد!! يا للغرابة، هل حقاً تستطيع السنوات العجاف التي لم يمارس فيها الطفل انواع القراءة المتنوعة في مراحل عمره ان تنتج لنا ذلك القاريء الفذ والباحث الخطير.. الجواب لا.. والف لا.. انه ما لم تنم عادة القراءة منذ الصغر فالانتظار طيلة السنين التي يحددها مثل ذلك الاب يكون انتظاراً للوهم والسراب. فمن اجل تنمية عادة المطالعة لابد من البدء من السنوات الاولى للطفل، ويتم هذا الامر بتخصيص مكتبة صغيرة بسيطة الحجم، تتناسب مع سنه الصغيرة، وتكون قريبة من مكان لعبه ولهوه على نحو يتيح له ان يمسك الكتاب، ويقلبه، ويرى تلك الصور والظلال منذ نعومة اظفاره لا ان تحجب عنه الكتب الى ان يكبر ويصبح راشداً حينها سيصبح الامر عسيراً وربما في حكم المحال!!