القراءة الصحيحة للحدث لا تعزله عن محيطه الموضوعي. لو أن طريقاً سريعاً تم شقه بين سويسرا وايطاليا ـ مثلاً ـ لما زاد المشروع عن مسار جديد لزيادة البدائل أمام حركة المرور عبر جبال الألب. ولو أن طريقاً مماثلاً تم بناؤه بين المغرب والجزائر ـ مثلاً آخر ـ أو اليمن والسعودية، أو ربما العراق والكويت لتدفّقت مشاعر عربية غزيرة وجارفة قبل حركة النقل والتنقل على أي الطرق المفترضة، إذ أن مثل هذا المشروع يعزز عصب البناء القومي قبل شبكة المواصلات. بما أن كرة القدم تشكّل جزءاً من التنمية البشرية، فلا يمكن عزل المونديال عن السياسة، إلا بقدر ما يخرج الظفر من اللحم. اللاعبون يشكّلون في الحد الأدنى من مهمتهم موفدين دبلوماسيين ويصبحون في بعض اللقاءات جنوداً مقاتلين. نتائج بعض المباريات تترك أثراً عميقاً في جهاز الدولة والشعوب. مع صعود المنتخبات إلى كل دور تتوغل لعبة كرة القدم في السياسة لدى الدول التي تتخذها في حدودها التقليدية أو تلك التي تريدها طابعاً لإلهاء الشعوب عن قضاياها المحورية. من أبرز المباريات التي اكتسبت طابعاً دبلوماسياً، تلك التي جرت بين أميركا وإيران في مونديال فرنسا عام 1998 إذ اغتنم اللاعبون ـ بتوجيهات ـ الفرصة لتهدئة العلاقات المتوترة بين البلدين. ومن أشهر المباريات التي حفلت بثقل الخصومة السياسية لقاء انجلترا والارجنتين في المونديال السابق والحالي، إذ حضرت فيهما جزر الفوكلاند، وبعد المباراة انفرجت أسارير البريطانيين واستعادوا أيام المرأة الحديدية، بينما استأنف الارجنتينيون قرع الطناجر احتجاجاً على الأزمة الاقتصادية وكانوا قد تخلّوا عن تلك الممارسة عقب فوزهم في المباراة الأولى. كذلك كانت جزر الكوريل ماثلة في مباراة روسيا واليابان، لذلك اشتعل الميدان الأحمر غضباً عقب فوز اليابان، بينما تلقى الروس خسارتهم من بلجيكا بأعصاب باردة. الرئيس السنغالي عبدالله واد ترك عقب فوز منتخب بلاده التاريخي على فرنسا، قصر الرئاسة وهجر زوجته الفرنسية الأصل فيه وخرج في تظاهرة شعبية عارمة ابتهاجاً بالفوز الذي اعتبره أبناء القارة السمراء انتصاراً ثائرياً على دول الاستعمار القديم والحديث. وما كان للرئيس السنغالي مثل هذا الخروج في أي مناسبة أخرى. لا بُد للفرنسيين الذين حزموا حقائب الخيبة مبكراً، الاعتراف بأنهم ذهبوا إلى أقصى شرق آسيا بروح التعالي التي مارسها اليسار الفرنسي، حتى باغتهم لوبن في الجولة الأولى من انتخابات الرئاسة. ذلك أن المنتخب الفرنسي ذهب إلى المونديال بروح بطل العالم وأوروبا وهو إنجاز مزدوج نادر غير أن الفريق فات عليه ـ في غمرة التباهي ـ تجديد خلاياه ودماءه واعتمد على ماضيه القريب ـ ربما كان شيراك أحوج إلى انتصار عالمي بالمنتخب متعدد الأعراق أكثر من حاجته إليه إبان رئاسته الأولى إذ أن الانتصار المفقود كان شاهد سياسة ناجعة لتأكيد الوحدة الفرنسية الوطنية القائمة على الاعتراف بالمهاجرين واستيعاب الآخر وأداة لقمع التطرف اليميني الجديد. رغم الود السياسي بين كوريا الجنوبية وأميركا تلقى الرئيس الكوري نصيحة من جهاز أمنه بعدم حضور المباراة خوفاً على حياته من سخط شعبي فيما إذا ربحت أميركا اللقاء. أخذ الرئيس النصيحة على محمل الجد وتنفس رجال الأمن والشرطة الصعداء إذ انتهت المباراة إلى التعادل. كوريا واصلت خدماتها الاستراتيجية لأميركا إذ اقصت البرتغال لتفسح فرصة الصعود إلى أميركا المهزومة إلى الدور الثاني. الشرطة الصينية كانت في حالة استنفار قصوى يوم لقاء منتخبها كوستاريكا في الرابع من يونيو تحسباً لموجة تظاهرات عارمة في ميدان تيانانامين احتفالاً بالذكرى الثالثة عشر لـ «ربيع بكين» فيما لو كان المنتخب ربح المباراة غير أن الفريق الصيني لعب لصالح جهاز الأمن وكسبت كوستاريكا اللقاء. الصينيون عادوا من المونديال بتسعة أهداف نظيفة وهي نتيجة ثقيلة غير أنها أخف بالطبع من الرصيد الذي عاد به العرب من شرق آسيا الأقصى ـ ولا فرق يُذكر بين عرب آسيا وعرب أفريقيا، إلا بنقطة ثمينة لصالح المنتخب التونسي. ربما تكون هذه الهزيمة القاسية فرصة لإعادة النظر في توجهنا العربي إزاء كرة القدم. منتخبات كبيرة غادرت مثلنا المونديال مبكراً. نعم ولا فرق بين رحيل وآخر إلا في الإحساس بالفجيعة والخيبة. ثمة دول ستعيد فقط بناء منتخباتها، ولكن هناك دول مطالبة بإعادة الرؤى في المسألة الرياضية برمّتها باعتبارها قضية سياسية وليست إلهاءً عن السياسة.