حين ينطلق الصوت يحمل في أثيره معاني مختلفة، لكننا نميّز ما بينها من خلال النبرة ومستوياتها. تارة نحسّ أن الصوت يخترق حواسنا خفيفاً كنسمة، وتارة أخرى يجيئنا على حين بغتة فيستفزّ مشاعرنا ويدفعنا إلى وضع الأيدي على الآذان لنتخفّف من أذيّته. وفي اعتقادي ان الصوت والصمت صنوان إذا تعب أحدهما أو شعر بالضجر يتحرك الآخر من تلقائه ويقوم بما تقتضيه اللحظة. ومن الأصوات ما نألفها للتوّ ونحفظها غيباً، وبينها ما نضيعه لأن لا هوية له تمنحه خصوصية وسط هذه المعمورة المكتظة بالكائنات والأشياء. ولا أبالغ إذ أعلن عجزي، مثل كثيرين يشاركونني الرأي، عن التمييز بين الأصوات التي تُلعلع عبر أثير الإذاعات وبين الأشكال المتحركة على الشاشات الفضية، فالجميع مفتون بالاستنساخ والتقليد، حتى وصل الأمر الى الثياب وقصة الشعر وسائر «متطلبات» الاطلالة على الجمهور. ووسط هذه الفوضى الكيانية في ساحة الفن، والغناء منها تحديداً. صرت ألجأ إلى «الريموت كونترول» وإبرة المذياع بحثاً عن حقيقة فنية ضاعت وسط هذا الخضم المتلاطم وأمواجه التي تضج بالإيقاعات الفالتة من عقالها والأنغام المستوردة والمستعارة وليس من يشير لنا عن أصلها وفصلها!! في السيارة وهي تجتاز شوارع المدينة، أو على أريكة المنزل حين يحتاج المرء إلى لحظة صفاء وسكينة، تبحث اليد عن «صوت الموسيقى» حتى تستقر عند رقمها السحري «999» الذي صار جزءاً من يوميات هذه البلاد وناسها التواقين إلى عذوبة اللحن ومعنى الغناء، وملاذاً لهم من صخب الإيقاعات الملتبسة وعبثية الكلام اللذين يحتلان مساحات الهواء. وليس من قبيل الترويج، ولست بصدده أصلاً، إذ أبدي إعجابي بـ «صوت الموسيقى»، فهذه الإذاعة تؤكد ـ علاوة على ما تتحفنا به من روائع الغناء والألحان ـ رصانتها وتواضعها، فلا هي تتبجّح ولا تقدّم استعراضات ساذجة لإقناع المستمعين بأنها الأولى، ولا هي تدعو إلى تجميد الإبرة على رقم إرسالها وإلغاء الآخرين. فقط ما تقوله انها صوت الموسيقى مشيرة الى الموجة التي تبث عبرها أشياءها الجميلة. وما تقدمه «صوت الموسيقى» من أبوظبي، الجزيرة المزهوّة بخضرتها وأناقتها، هو نوع من الوفاء لذلك الإرث المجيد لتراثنا الفني العربي الذي وصلت شهرة روّاده إلى أرجاء الأرض كافة، وهو أيضاً هجوم معاكس على عملية إفساد الذوق الآتية من كل حدب وصوب، وآخرها من بلاد العم سام، من خلال اذاعة تحركها اصابع خفية بأصوات عربية، تتولى تسويق ثقافة اعلامية وفنية متناغمة مع رؤى الذين انشأوها بذريعة التواصل مع الشارع العربي، وليس من يدري انها «تنغل» في عقول ومسامع أجيالنا الجديدة. وغني عن القول إن «صوت الموسيقى» هذه الإذاعة الثرية بمحتواها، قد اكتسبت التقدير وأنصت لها السمع، وربّما لا يعلم كثيرون أن فريقاً لا يتعدى عدد أفراده أصابع اليد الواحدة، هو من يقوم بتسيير أمورها وإيصال رسالتها. ان يكون هناك صوت للموسيقى في هذا الزمن، فذلك أمر يدعو للتفاؤل، وبخاصة إذا كان لا يعير اهتماماً لبرامج الاهداءات المستهلكة والمواعظ الانشائية و جداول ترتيب الأغنيات المتعدّدة والمتناقضة التي تُجهّز سلفاً بما يتلاءم مع رغبة القائمين على شركات الإنتاج الفني. صوت للموسيقى يعيدنا إلى الأصالة والزمن الجميل، ويسمعنا فن العرب وما أنتجته تجاربهم الغنية من محيطهم إلى خليجهم ليحفظها الأسلاف.