لا حاجة لتقديم البرهان على ان ما تشهده القضية الفلسطينية ـ العربية الآن، على الصعيد الأميركي بشكل خاص، هو تتمة لعملية «السور الواقي» الشارونية بكل ما تحمله من أهداف. انه، باختصار، « سور واق» سياسي يحاول تحقيق غايات رئيس الوزراء الاسرائيلي ارييل شارون من عمليته ولكن ايضا وفي الوقت ذاته مصالح الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش في الوقت ذاته . هناك أولا مقولة ان «لا حل للصراع العربي ـ الأسرائيلي بالقوة او من خلال العمل المسلح». فهذه المقولة التي تكررت في الفترة الماضية على ألسنة العديدين في الولايات المتحدة من أمثال ساندي برغر 29 مارس، جورج ميتشيل الأول من ابريل، كولن باول وكوفي عنان 10 ابريل، وكولن باول بعد ذلك 12 ابريل، فضلا عن العديدين من رجال الصحافة والأعلام وكتاب المقالات في الصحف، انما تقال حاليا في معرض الكلام الحق الذي يراد به باطل. في السابق رددها رئيس الوزراء الأسرائيلي الأسبق ليفي اشكول ـ كما ذكرتنا اخيرا صحيفة «الجيروزاليم بوست» الاسرائيلية ـ في اعقاب حرب العام 1967، في تعليق له على نجاح اسرائيل في الحاق هزيمة ساحقة بالجيوش العربية في خلال ستة أيام فقط من العمليات العسكرية وتمكنها من احتلال أراض تابعة لثلاث دول عربية مصر وسوريا والأردن تزيد مساحتها أربعة أضعاف عن مساحة الأراضي التي كانت قد احتلتها وأقامت عليها دولتها في العام 1948. لكن المفارقة ان أشكول أورد المقولة في صيغة تحذير للاسرائيليين من أن يغتروا بقوتهم المسلحة او من أن ينظروا الى انتصارهم في العمليات العسكرية في العام 1967 باعتباره نهاية للصراع في المنطقة، او مقدمة لاستسلام عربي كامل أمام القوة الاسرائيلية، يليه تخل عن الحقوق العربية في انهاء الأحتلال الجديد أو في استعادة حقوق الشعب الفلسطيني في أرضه ـ أو حتى في جزء منها فقط ـ وأقامة دولته المستقلة، بينما هي، في المقابل، تأتي على ألسنة كل من برغر وميتشيل وباول وغيرهم، وحتى أنان نفسه، في صيغة دعوة الشعب الفلسطيني، وبالتالي الشعوب والحكومات العربية، لوقف المقاومة الفلسطينية المسلحة للاحتلال الاسرائيلي ووضع حد للانتفاضة المتصاعدة منذ أكثر من عام ونصف العام، بدعوى أنها لن تؤدي في خاتمة المطاف الى ما يطمح اليه هذا الشعب. يؤكد ذلك ان هؤلاء لا يتحدثون، وانما هم يتناسون تماما، واقع الاجتياحات الاسرائيلية المتكررة للأراضي الفلسطينية، وواقع ان هذه الاجتياحات تتم بعشرات الآلاف من الجنود المدججين بالسلاح الحديث وبمئات الدبابات وقطع المدفعية الثقيلة والصواريخ والطائرات الحربية والطوافات الخ.. حتى اذا سئلوا أجابوا بأن المعنى الذي تحمله الدعوة الى اللاعنف انما يشمل الطرفين معا. يؤكده كذلك ان الحاكم سعيد في البيت الأبيض، الرئيس بوش، يتولى على الجانب الآخر الدفاع علنا وتكرارا عن اسرائيل، تارة بوصف عملياتها الاجرامية في الأراضي الفلسطينية المحتلة بأنها «دفاع عن النفس.. تتفهمه واشنطن» ، وتارة بكيل المديح لارييل شارون الذي يرتبط اسمه بالمجزرة الجديدة كما بمجازر عديدة أخرى في تاريخ الصراع العربي ـ الاسرائيلي، باعتباره «رجل سلام». خطة أميركية هناك ثانيا التحرك الأميركي الأخير في المنطقة العربية، من خلال مساعد وزير الخارجية وليم بيرنز ورئيس وكالة الاستخبارات المركزية جورج تينيت. فهذا التحرك ليس سوى عملية «السور الواقي» السياسية تماما كما كان الحال بالنسبة لعملية «السور الواقي» العسكرية التي نفذها شارون، لأنه لا خطة أميركية فيه الا تلك التي تستهدف العمل أولا وقبل كل شيء على انهاء الانتفاضة ونزع ورقتها مؤقتا على الأقل ـ وربما نهائيا في مرحلة لاحقة ـ من ايدي الشعب الفلسطيني، وبالتالي من أيدي الشعوب العربية التي تقف من خلف الأنتفاضة داعمة ومساندة بما تملك وتستطيع تقديمه من مساعدة. حتى شعار «اصلاح السلطة الفلسطينية»، على ما يحمله من بريق خارجي كطرح مرغوب ومطلوب للخلاص من الفساد ولاشاعة مناخ من الديموقراطية السياسية والشفافية والحريات السياسية العامة في المناطق المحتلة، ولايلاء حل المشكلات الاقتصادية ـ الاجتماعية للناس ما يستحق من اهتمام، لا يخرج في الاستهداف عن الغاية اياها: غاية وضع حد للانتفاضة، وصولا الى التخلي عن التفكير بها في المستقبل. وهكذا، فلب عملية «السور الواقي» السياسية الأميركية هو استكمال العملية العسكرية الشارونية التي تحمل الاسم ذاته، ولكن ايضا وبشكل خاص تحصين المشروع الأميركي الذي لا تفتأ ادارة بوش تتحدث عنه، ولا تفعل شيئا جديا من اجله، لاقتراح تسوية سياسية للصراع العربي ـ الاسرائيلي يقوم على انشاء دولة فلسطين القادرة على الحياة بسلام، وجنبا الى جنب، مع دولة اسرائيل. انه، اي لب العملية، اعطاء شارون المزيد من الوقت، والمزيد من الفرص، لاستكمال خطة تدمير البنية التحتية للسلطة الفلسطينية وانهاء الانتفاضة وربما بدء عملية ترانسفير واسعة، بالضغط او بالاكراه او باشاعة اليأس العام، واعطاء بوش فرصة تمرير الوقت الى ما بعد الانتخابات الفرعية للكونغرس في نوفمبر المقبل، او أقله التحرك عشية الانتخابات وفي اثناء الحملة لها بما يضمن له الصوت اليهودي والصوت اليميني المتطرف انطلاقا من خطة لا تعترض عليها اسرائيل ولا اي من القوى الأميركية التي ترفض مجرد ممارسة ضغط عليها. مسارات بيرنز لن يعني اصلاح السلطة الفلسطينية شيئا بالنسبة لاسرائيل اذا لم يؤد الى وقف العنف بصورة كاملة، هذا ما كتبه المعلق العسكري لصحيفة «هآرتس» الأسرائيلية زئيف شيف في مقالة له نشرت في عدد يوم الأربعاء في الخامس من يونيو الحالي من الصحيفة. ونظرة الى «المسارات الثلاثة» التي حملها بيرنز معه الى الأراضي الفلسطينية واسرائيل، ثم عمل طيلة أسبوع كامل على تسويقها في العواصم العربية التي زارها بعد ذلك، تشير الى انها لا تقول الا هذا المعنى بالتحديد. كذلك فلم يفعل تينيت، في لقاءاته «الأمنية» مع المسئولين الفلسطينيين والاسرائيليين، الا ما يخدم هذا المعنى بالذات، وما يصب في النهاية في الجدول المرسوم لـ «السور الواقي» السياسي سلفا وبعناية تامة. اثنان من «المسارات الثلاثة»، التي أعلنها بيرنز في تصريحاته لأجهزة الأعلام فور وصوله الى رام الله ثم كررها بعد ذلك في كل عاصمة عربية زارها، يتحدثان عن «اصلاح جذري في الأجهزة الأمنية» التابعة للسلطة الفلسطينية ثم عن «انهاء دورة العنف ضد المدنيين» في داخل اسرائيل. أما الثالث فيشير الى المعنى ذاته، ولكن بصورة غير مباشرة، عندما يتحدث عن ضرورة استئناف العملية السلمية في المنطقة، وحتى عندما يرى في اصلاح السلطة الفلسطينية أنه انما يرمي الى تحضيرها بحيث تستطيع ان تتسلم مقاليد الأمور أي الأمن في الدولة الفلسطينية الموعودة التي تستطيع ان توفر الأمن للاسرائيليين بالصيغة التي تحددها اسرائيل للأمن. أكثر من ذلك، فلا تقول الدعوات الاسرائيلية والأميركية لدمج الأجهزة الأمنية الفلسطينية في ثلاثة او اربعة أجهزة، والتسريبات عن قياديين في هذه الأجهزة مرشحين لتولي مهمات سياسية في السلطة في اطار الاصلاح المطلوب، والأحاديث عن مسئوليات تتحملها اطراف ثالثة مثل الدول الأوروبية لمجرد انها ساعدت السلطة على بناء أجهزتها الأمنية نموذجها الدعوى القضائية التي أقامتها عائلة اسرائيلية ضد الاتحاد الأوروبي طالبة بدفع تعويض لها عن خسائر اصيبت بها في احدى العمليات الفدائية ، الا ان الهدف الآن ـ وربما الوحيد ـ هو تطويق الانتفاضة على طريق اخمادها بصورة كاملة. ماذا بعد؟! سيكون في امكان شارون الاحتفال بالنجاح الكامل لعمليته، عملية «السور الواقي»، حتى وان لم يتمكن من ازاحة رئيس السلطة الفلسطينية ياسرعرفات من منصبه، او من طرده من الأراضي المحتلة، وان لم يؤد سور الأسلاك الألكترونية الذي بدأ ببنائه حول مدن وقرى الضفة حوالي مائة كيلومتر حتى الآن الى وقف العمليات الاستشهادية في داخل اسرائيل. كذلك سيكون في امكان بوش التقدم خطوة، ولو محسوبة، على طريق اعلان ما يوصف بأنه «المشروع الأميركي» لحل الأزمة حلا نهائيا، حتى وان كان في هذا المشروع ما لا يتفق تماما مع خطة «المراحل الانتقالية المديدة» التي ما فتئ شارون يتحدث عنها وتحرص بعض اطراف الادارة الأميركية وزيرالخارجية كولن باول تحديدا على القول انها محكومة بالفشل بدليل فشل اتفاقات اوسلو التي قامت أصلا على مثل هذه المراحل. في غياب الانتفاضة، اذا امكن للخطة الناشطة أميركيا واسرائيليا والبعض يقول عربيا ايضا؟ أن ترى النور، سيحكم على القضية الفلسطينية محكومة بأن تعود الى ما كانت عليه قبل الثامن والعشرين من سبتمبر العام 2000، أي الى الدوامة التي ضاعت بين طياتها عشرات الاتفاقات والبيانات والخطط والبروتوكولات والجداول التي وقعها المفاوضون الفلسطينيون والاسرائيليون منذ اعلان المبادئ في اوسلو العام 1993. وعلى مائدة المفاوضات المقبلة، اذا أمكن لهذه المائدة ان تنعقد، سيكون الفلسطينيون ـ وبالتالي العرب كلهم ـ عراة حتى من ورقة التوت: ورقة الرفض الدبلوماسي، بعد ان تكون الولايات المتحدة قد تنازلت!! وتجاوبت مع دعواتهم الملحة لها للتخلي عن سياسة «نفض اليد» من القضية والعودة الى سياسة «التورط» في البحث عن حل لها مخاطر جديدة من شأن المخاطر التي تحملها عملية «السور الواقي» السياسية، الأميركية ـ الأسرائيلية، ان تكون أكبر وأبعد أثرا بكثير من عملية «السور الواقي» العسكرية التي بادر اليها شارون، ولا يزال يواصل تنفيذها خطوة فخطوة حتى هذه اللحظة، ضد الشعب الفلسطيني وضد انتفاضته وحتى ضد سلطته في الأراضي المحتلة. اذ هي مخاطر تتدرج من انهاء السلطة بتدمير بنيتها ومؤسساتها وطرد رئيسها واعضائها، الى انهاء الانتفاضة باعتقال أفرادها وتفكيك الخلايا المعروفة وغير المعروفة التي تضخ الدم في عروقها، الى انهاء القضية كلها بما هي قضية شعب وأرض وحقوق في الحياة الحرة الكريمة وغدا، او بعده، سيطلع بوش على العرب الذين طالبوه، ولا يزالون، بالتخلي عن سياسة «نفض اليد» من القضية، ليقول انه انما نزل عند رغبتهم وعاد الى سياسة «التورط».. ولكن بمشروع يقوم في واقعه على أساس ما بعد انهاء السلطة، والانتفاضة، والقضية كلها. فماذا عساهم يقولون؟! ـ كاتب لبناني