سوف يأتي يوم يتساءل فيه المواطن الاميركي العادي: لماذا والى متى تواصل الولايات المتحدة التضحية بعلاقات ودية مع معظم شعوب العالم بما في ذلك اقرب المقربين في اوروبا من اجل اسرائيل واقلية يهودية اميركية ذات مواطنة وولاء مشكوك فيهما؟ لكن هذا التساؤل الاميركي ربما لا يتبلور ويخرج من دائرة التكتم المفعم بالخوف الى دائرة الجهر الجريء قبل ان يتطور ما نشهده اليوم في اوروبا من بوادر تذمر عام ضد اليهود الى مستوى ثورة عارمة. حينئذ سوف يكون ذلك ايذانا ببداية النهاية للدولة اليهودية عندما يشجع اندلاع الثورة الاوروبية المعادية لليهود تفجير الشارع الاميركي. بوادر الغضب في ارجاء اوروبا ـ غربا وشرقا ـ باتت من الوضوح بحيث ان الصحافة الاوروبية اخذت تفرد لها من حين لآخر تحقيقات وتعليقات مفصلة ومطولة، وتتنامى الظاهرة على ثلاثة صعد رئيسية هي: ـ الهجوم على منشآت يهودية، خاصة المعابد، ومعظم الهجمات التي نفذت جرت في فرنسا وبلجيكا وبريطانيا. ـ ارتفاع وتعدد الاصوات الناقدة لسياسات وممارسات الدولة الاسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني سواء على مستوى الشارع او مستوى السلطة. ـ الصعود المذهل لقوى اليمين المتطرف المعادي لليهود خاصة في فرنسا والنمسا وايطاليا والدنمارك وهولاندا بالاضافة الى بعض دول اوروبا الشرقية الاشتراكية سابقا وعلى الاخص روسيا ورومانيا وبولندا. ومما يجتذب الانتباه ان انطلاقة هذا التيار المعادي لليهود تتزامن مع اشتعال الانتفاضة الفلسطينية وان اندفاعه وتصاعده يتوازيان مع تصاعد المد الانتفاضي، وظاهريا يبدو وكأن الشعور العام بالكراهية المكتوم في الصدور الاوروبية كان بانتظار مبرر ـ اي مبرر ـ للانفجار الذاتي، ولكن ربما كان الامر اعمق من ذلك. فالشعوب الاوروبية يبدو وكأنها تريد التخلص من عقدتين مرتبطتين عضويا احداهما زائفة، فالعقدة الزائفة تتمثل في الاحساس الاوروبي بأنه لولا سلبية الشعوب الاوروبية لما تمادت الهتلرية النازية في عمليات اضطهاد واستئصال اليهود، وهي عقدة كان النفوذ اليهودي وحده لمرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية هو المسئول عن زرعها وابقائها حية حتى اليوم بغرض الابتزاز الاقتصادي والسياسي ولكبت اصوات «معاداة السامية». اما العقدة الثانية وهي نابعة من جذور اصيلة، فهي احساس الشعوب الاوروبية بأن اوروبا هي المسئولة عن تشريد الشعب الفلسطيني بمساعدتها الحركة الصهيونية في طرد هذا الشعب من ارضه تمهيدا لاقامة دولة اسرائيل. وتبدو الشعوب الاوروبية الآن كما لو كانت تستدعي المشهد الالماني في ثلاثينيات واربعينيات القرن الماضي لتقول لنفسها ان النازية الهتلرية كانت على حق في اضطهاد اليهود، هذا ما يفسر لنا جزئيا التأييد الشعبي المتعاظم لقوى اليمين الاوروبي المتطرف وبروزها كبديل عن القوى التقليدية التي تتعاقب على الحكم منذ نهاية الحرب العالمية بأجندة صهيونية. لقد كان اوضح رمز للتعبير عن السيطرة اليهودية على اقتصادات اوروبا ما جرى في موسكو عندما عمد تنظيم «النازيين الجدد» الى اقامة احتفال بمناسبة ذكرى ميلاد ادولف هتلر في 30 ابريل، فاقتصاد السوق الحر الذي انتقلت اليه روسيا بعد انهيار النظام الاشتراكي السوفييتي يمسك بقطاعاته المفتاحية بضعة مليارديرات كلهم من اليهود، وفي هولندا كان هناك رمز من نوع آخر فقد علقت سيدة هولندية في امستردام العلم الفلسطيني على شرفة مسكنها. غير ان التطور الاكبر في هولندا وغيرها من دول اوروبية هو وصول بعض تنظيمات اليمين المتطرف الى اعتاب السلطة من خلال الانتخابات، واخطر من ذلك وصول حزب نمساوي الى السلطة بالفعل. هذه بالطبع مجرد بوادر اولية.. لكن مؤشراتها نحو المستقبل لا تخفى فالتيار الاوروبي المعادي للاقليات اليهودية سوف يتعاظم دون شك. واذا كانت الحركة الصهيونية العالمية تنظر في هذا التطور الخطير وقلبها على يدها فان خوفها الاكبر هو ان تعبر اليقظة الاوروبية المحيط الاطلسي لتنتقل العدوى الى الولايات المتحدة القلعة العظمى للنفوذ الصهيوني العالمي.