منحوه تأشيرة اقامة دائمة في قلوبهم.. جددوا له بيعة الحب كل يوم.. يتذكرون ابتسامته وصوته وملامحه ومواقفه ورقم هاتفه.. لا يربطونه بذاكرة البخار والريح وحركات المد والجزر.. يربطونه بذاكرة النيل وحجارة الاهرام وصمود أبي الهول.. لا يربطونه بالتاريخ الهجري أو الميلادي..بساعات الكسوف والخسوف.. يربطونه بذاكرة الفرح والفهم والحيوية.. لا أحد يعرب جملته الانسانية بخبر كان.. فهو فعل النهايات القديمة لا يجوز فرضه على الدكتور فوزي هيكل حتى لو رحل عن عالمهم وعالمنا. قبل أن أرحل عن واشنطن هذه المرة قضيت يوما مع اللوبي العربي في أمريكا.. كانت أكبر المنظمات العربية «منظمة الامريكيين العرب المناهضة للتفرقة العنصرية» تعقد مؤتمرها السنوي في كريستال سيتي بالقرب من العاصمة الاميركية.. هناك وجدت كل ملامحنا اليومية.. الكوفية الفلسطينية.. التبولة.. الحمص.. البقلاوة.. لوحات الآيات القرآنية.. صورة السيدة العذراء لوحات مدينة القدس مرسومة في عصور مختلفة.. هناك وجدت وجوها لامعة في الحياة الاميركية لم تنس جذورها وقضاياها العربية.. فهم أطباء ومحامون وأكاديميون يعرفون طعم النجاح في المهجر ويعرفون قانون اللعبة فيه.. لا أحد يعيش بمفرده.. لا أحد ينسلخ من جلده.. لا أحد يحرق جسوره وجذوره.. هم جميعا في سلة واحدة.. لا أحد هنا يفرق بين عربي سوري أو عربي سعودي.. بين عربي مسلم وعربي مسيحي.. بين عربي يؤيد ياسر عرفات وعربي يعترض عليه.. بين عربي متساهل وعربي متشدد.. كلهم في هذه الامبراطورية الثرية القوية البعيدة «عرب» فلا مفر أن يتصرفوا على أنهم «عرب». وربما لهذا السبب نجحت هذه المنظمة في أن تجد لنفسها مكانا معقولا في غابة اللوبي التي تمرح فيها السياسية الاميركية ولا تغادرها.. فمن لا لوبي له لا ظهر ولا تأثير ولا وجود له.. لقد اعتبرت هذه المنظمة كل مدينة عربية فرعا من شجرة عائلتها.. اعتبرتها رحما نزلت منه.. وثديا أرضعها.. وسريرا لطفولتها.. وقد وجدت نفسي ذات يوم منذ نحو 8 سنوات في مناظرة تليفزيونية ساخنة ضد رئيسها في ذلك الوقت خليل جهشان.. وأعترف الآن بعد كل هذه السنوات انها تغيرت وتجاوزت خلافاتها الاقليمية والسياسية وراحت تكبر خلية.. خلية.. وتزداد قوتها نقطة.. نقطة.. ومع وجود أجيال جديدة تعرف كيف تفكر وتتكلم لغة الواقع الاميركي أصبحت على طريق الفعل والتأثير. وقد أعجبتني الواقعية التي يتحدث بها رئيسها الحالي الدكتور زياد العسلي.. فهو لا يبني جبالا من الأوهام.. ولا يحول البحر الى عصير برتقال.. فكل مايقوله: إنهم لا يريدون أن يكسبوا ولو مقعد واحد في انتخابات الكونجرس القريبة القادمة وانما كل همهم أن يضعوا بعض المرشحين غير المتعاطفين معهم في مأزق السقوط.. وعندما قابل الرئيس حسني مبارك وسأله عما يريد قال: انه لا يريد سوى ان ينضم المصريين الاميركيون إليهم.. فالبشر أهم من المال.. البشر كتلة تصويت فعالة ستكون وحدها الوسيلة المناسبة التي تجعل السياسة الاميركية تعمل لهم مائة حساب.. لا أقول ألف حساب.. لكن ذلك لا يمنع أنها في حاجة الى حساب.. حساب في البنك يتلقى دولارا كل سنة من كل مواطن عربي حتى لا يمدون أيديهم الى الحكومات العربية فيجبرون على الانقسام ويواجهون بعضهم البعض بدلا من مواجهة اللوبي اليهودي.. ديناصور الحياة السياسية الاميركية. إن عدد المصريين الاميركيين في أي نشاط سياسي يعد على الأصابع.. فهم منغلقون على أنفسهم.. لا يعرفون سوى المسجد والكنيسة.. وهم يضعون على عيونهم نظارات سوداء يرون الوطن من خلالها.. ويمتحنون ثقافتهم في الغاز الكلمات المتقاطعة.. فأصبحوا معلقين بين السماء والأرض.. لا هم أصبحوا جزءا من وطنهم الجديد. ولا هم تركوا وطنهم القديم في حاله.. وقد نجا من تلك الدوامة النفسية شخصيات تعد على أصابع اليد الواحدة تركت بصماتها على مايجري هنا وهناك.. الدكتور فوزي هيكل.. والدكتور رشدي سعيد مثلا. كان هذا المؤتمر هو أول مؤتمر بدون الدكتور فوزي هيكل.. وقد كان على حد قول طالبة فلسطينية تدرس العلوم السياسية في جامعة جورج تاون ينقصه الكثير.. لقد شعرت بعد كل ما سمعت عنه ان الدنيا تغيرت بعد رحيله.. الصحف كفت عن الصدور.. الأرصفة انتقلت.. الشمس غيرت عنوان بريدها الالكتروني.. والبحر رمى نفسه في البحر ومات.. لقد أخذ معه اسماء أيام الأسبوع وخريطة الشهور والأعوام وكروية الأرض وسافر بعيدا. وقد حاولت أن أختبر دقة ماسمعت عنه من صديق مصري مولود في شبرا يعمل مراسلا صحفيا هو توماس جورجيسيان فوجدت عيونه تلمع بما في قلبه من أحزان.. وراح يقول كلمة «فوزي» في كل جملة يقولها طوال ثلاثة ساعات من الكلام المتواصل. «فوزي» كان بوصلة كل مهاجر مصري يلجأ اليه في بحرا الغربة المتلاطمة.. يرشده الى الصواب.. ويحترم ضعفه الانساني.. «فوزي» كان يستقبل كل من ينزل مطار واشنطن أول مرة.. يرعاه ويساعده ويسهل له سبل الحياة.. يأخذه من يده إلى أرخص مكان واقرب سوبر ماركت ويعطيه أرقام المستشفيات المجانية وربما يقتسم مافي جيبه معه.. «فوزي» كان يعيش في اميركا دون أن يفقد ارتباطه وانتماءه واهتمامه بمصر.. يعلم ويقرأ ويشارك ويتحرك وينفعل ويؤثر ويغير ماحوله.. «فوزي» كان قادرا على التأثير في الكبير والصغير.. لو طلبت فتاة صغيرة أن يحضر عرضا مسرحيا تشارك فيه وجدته في الصف الأول يصفق لها.. لو دعاه طالب في المدرسة الثانوية لحضور مباراة في كرة السلة يلعب فيها وجده في المدرجات يشجعه.. «فوزي» كان يسبح في الدورة الدموية للعرب الذين يعرفونه.. فلم يستوعب أحد خروجه منها.. لقد جعل من فصيلة دمهم فصيلة دم نادرة.. لم يتوقف عن النمو في داخلهم.. تناسل تحت جلودهم غابة من الزهور البرية المثقفة. لقد جاء فوزي هيكل في الستينيات ليحصل على الدكتوراه في الجيولوجيا.. لكنه سرعان ما قرر أن يدرس الاقتصاد.. لكن.. البيروقراطية المصرية الشهيرة أبت أن تستجيب له.. وسارعت بقطع ماترسله له من أموال شهريا.. على أن الرجل الذي يؤمن بنفسه ويفهم مايريد رفض أن يلجأ الى واسطة تنقذ مستقبله.. وكان يملك ذلك.. فهو الشقيق الأصغر للكاتب الشهير محمد حسنين هيكل.. قرر أن يعتمد على ذاته لا على شقيقه.. واجه قسوة المجتمع الاميركي الذي لا يرحم.. عمل في مهن مختلفة.. وواصل في الوقت نفسه دراسته.. ولم ينس أن يستوعب ماحوله.. فراح يقرأ كل كتاب سياسي عن الرأسمالية والاشتراكية والشيوعية يقع تحت يده.. وقبل أن يحصل على الدكتوراه كان قد حصل على ماهو أهم.. رؤيته للحياة وللبشر وللنظم السياسية.. وجنون الناس به.. انه شخصية استثنائية.. وصفوها مرة بأنها مثل أمير ساحر في كتب الأطفال.. أو مثل ملاك للخير مرسوم على سقف كنيسة.. أما هو فكان يقول: إنه يحمد الله على موهبة الايمان بكل مايقع في طريقه.. يحمد الله على موهبة الاهتمام بالآخرين.. الإنسان بلا قضية حقيقية فص ملح سرعان مايذوب.. شمة هواء سرعان ماتخنقها رطوبة الأنانية.. لحظة حياة سرعان ماتنتهي دون أن يجدوا مايكتبونه على قبره.. سوى انه كما جاء رحل.. كما عاش مات. لم ينتبه فوزي هيكل الى أن جسمه استقبل دون ان يدري ضيفا صامتا متسللا يأكل خلاياه في صمت ويرفض بسهولة الرحيل أو الاستسلام.. وعندما يعلن عن وجوده بالألم يكون قد تعاقد مع الموت وقبض عمولته.. اخترق السرطان جسده في الوقت الذي اشترى فيه شقة في حي مدينة نصر ليكون له عنوان دائم في مصر.. لم يشعر بتزايد المساحة التي يحتلها في شرايينه.. وعندما جاءت لحظة الفراق احتارت زوجته أين تدفنه؟ انه لم يجب بنفسه عن السؤال.. ونصحوها أن يدفن بالقرب منها.. لكنها شعرت أنه كان يهوى مصر بجنون.. فأخذت جثمانه وهبطت القاهرة.. وعندما قرأت فيما بعد ماكتبه المصريون الذين عرفوه دون أن يعاشروه عنه أدركت انها اخذت القرار الصائب.. في تلك اللحظة آمنت أن الرجل الذي أحبته واحبها لا يزال معها رغم بعد المسافات والسموات. لكن.. كان في مؤتمر اللوبي العربي شخصية مصرية أخرى لامعة وشفافة مثل الكريستال النقي.. الدكتور رشدي سعيد.. مثقف في ذلك الجيل العظيم الذي كان يرفض الزمن الضيق.. زمن الثقافة المعلبة.. والعواطف الجاهزة.. وقراءة الكتب وكأنها كمبيالات مستحقة الدفع.. فهو يفهم في الجيولوجيا كما يفهم في أزمة الطبقة الوسطى.. وهو يتحدث عن ماء النيل بنفس الحماس الذي يتحدث به عن أزمة الادارة الاميركية في ظل الرئيس جورج بوش.. وهو يصلي لله دون أن ينسى فروض الوطن عليه.. لقد خرج من أنبوب التخصص المحدود والمخنوق الى رحابة الفهم الاستراتيجي لهمومنا ومتابعنا.. وهو يفعل ماعليه.. يكتب ويقول ويناقش ويحاور ويتحمس.. والباقي علينا.. نسمع ونقرأ ونفهم ونستوعب. وقد سمعت عنه قبل أن ألقاه بسنوات طويلة.. كنت في استراحة الأب متى المسكين القريبة من مدينة الحمام في الساحل الشمالي عندما عرفت من الراهب المتواضع أن الذي اختار له هذا المكان الذي تحول الى واحة في الصحراء هو رشدي سعيد.. كان ذلك في الخمسينات عندما جاءه الأب متى المسكين «وهو يمثل أول جيل من الرهبان تخرجوا في الجامعات» وطلب منه مساعدتهم في اختيار قطعة أرض في الصحراء تكون حبلى بالماء يقيمون عليها ديرا.. في ذلك الوقت كان رشدي سعيد يملك مخطوطة نادرة.. خريطة للمياه الجوفية رسمها الانجليز عندما كانوا في الصحراء الغربية ينتظرون قوات الألمان في الحرب العالمية الثانية فتحها واختار لهم هذا المكان ليبنوا استراحة عليه.. واختار مكاناً آخر في وادي النطرون.. أصبح فيما بعد من أهم الأديرة في مصر.. وهناك تفرغ الراهب متى المسكين للصلاة والتعبد.. ومواصلة تجاربه في الهندسة الوراثية.. فكان اول من اخترع ثمار الخوخ المطعمة بالمشمش.. وقام بتحسين سلالات المانجو.. وراح ينشر غرسه وثماره في كل مزارع مصر. لكنني لم أعجب بالدكتور رشدي سعيد الا عندما رحت أقرأ له سلسلة من المقالات نشرتها له مجلة الهلال كان يتحدث فيها عما جرى في المجتمع المصري بعد الانقلابات الاقتصادية والاجتماعية الحادة التي تعرض لها في سنوات قليلة؟.. وكان تحليله لمأزق الطبقة الوسطى مغريا للمتابعة والاهتمام.. فهذه الطبقة المسئولة عن الابداع والتغيير وتجديد دماء المجتمع وجدت نفسها مهددة بالسقوط الى طبقات أدنى فراحت تدافع عن بقائها بطريقة مؤلمة ومؤسفة.. اصبح كل همها ان تحافظ على مستواها المادي بغض النظر عن كيفية حدوث ذلك؟.. ووجدت نفسها مجبرة على المشي في ركاب طبقات جديدة ثرية لا هم لها سوى التكويش على الثروة.. فلم تعد الطبقة الوسطى تهتم كثيرا بالكتاب أو الاسطوانة أو الفيلم الجيد.. وانطوت على نفسها في حالة دفاع عدواني عن الذات.. ولم تجد سوى التفسيرات الجاهزة تتوارى وراءها.. دون أن تقنعها هذه التفسيرات بالكف عما تقع فيه من عيوب وماترتكبه من اخطاء في كثير من الاحيان.. النفاق.. والفساد.. والأنانية.. والنميمة.. وفقدان قيمة العمل.. والفهلوة.. وضياع الحلم.. مثلا.. ان هذه الطبقة بسبب ماجرى لها وجدت نفسها تطلق النار على ملابسها المسرحية فقد اعلنت اعتزالها من الوقوف على خشبة المسرح القومي ولم تعد تقبل دورها التاريخي في التنمية والتحديث.. ومالم تحل مشكلة الخلاف بينها وبين المجتمع فإن الطرفين سيخسران الكثير. ولم أفاجأ عندما شعرت أن المسافة معدومة بين أفكار الدكتور رشدي سعيد وتصرفاته الانسانية وكلامه المتفجر بالحيوية والحماس رغم أنه جاوز الثمانين.. أطال الله عمره.. وهو عندما يتحدث في موضوع يملك القدرة على أن يشد من حوله.. فهو يدلل على مايقول بحكايات جذابة وتجارب مثيرة عاشها.. انه يتمتع بحيوية الشباب وحكمة الكبار.. ولا ينزف الوطن نزيفا الا وينزف معه.. وقد قضيت يوما معه.. ركبنا المترو معا.. دخلنا في حوار طويل ومتشابك عن الادارة الامريكية الحالية.. وقد فوجئت به يقول: انه لو كسبت هذه الادارة الانتخابات القادمة فإنه سيترك الولايات المتحدة نهائيا بلا عودة.. وقد حاول في وقت مبكر قبل أن تقع الفأس في الرأس ان يقنع العرب بعدم التصويت لها.. لكنهم كانوا يخشون من نائب آل جور اليهودي الذي فرضه على الانتخابات الرئاسية.. كما انهم خلطوا بينه وبين أبيه.. فأعطوه أصواتهم لهذه الإدارة وأعطت هي لهم ظهرها. ويؤمن الدكتور رشدي سعيد أن هذه الادارة المنقسمة على نفسها ليست إدارة مثقفة ولا تتعلم الا بعد فوات الأوان ولا تنفذ الا اخر ماتسمعه.. فآخر من يمسك أذنها هو اول من يستفيد منها.. وربما لهذا السبب كان رئيس وزراء اسرائيل يهرع إليها فور انتهاء زيارة رئيس أو ملك أو أمير عربي.. ثم انها ادارة تؤمن كثيرا بمنطق الكاوبوي.. منطق القوة بكل مافيها من غطرسة وانفلات.. وهي تلخص كل الأمور السياسية والعسكرية والاقتصادية على طريقة الخير والشر.. من معها هم الأخيار.. ومن ضدها هم الأشرار.. من يختلف معها ولو قليلا تنقله من الحالة الأولى الى الحالة الثانية بسهولة ودون تفكير أو حسابات.. وهي تحاول تعبئة الناس وتسعى جاهدة الى حشدهم في اتجاه الخطر الوطني حتى ينسوا متاعبهم الاقتصادية.. ثم انها حتى يصدقها الناس تتحدث كثيرا عن الله.. وتبدو محافظة إلى حد التزمت.. الى حد أن وزير العدل أنفق أموال دافعي الضرائب لشراء ستارة تغطي تمثالا لامرأة اسطورية مثيرة تقف الى جانب رجل من عصرها في مدخل وزارته حتى لا يظهر التمثال في ظهره وهو يدلي بتصريحاته الصحفية.. وكان مادفع في الستارة في العام الماضي يساوي ثمن التمثال وقت شرائه قبل نحو 75 سنة. إن فوزي هيكل أو رشدي سعيد وغيرهم من اجيال المهاجرين الذين لم ينسوا أوطانهم هم رهبان لم يدخلوا الدير.. وعرفوا بالثقافة أسهل وأسرع وأجمل الطرق الى الله. ـ صحفي مصري