ككتاب وكصحفيين وكمهتمين بالشأن الاجتماعي نسعى دائماً للحديث عن وجهات نظر، ودعوات تغيير نعتقد أنها الافضل، محاولين عن طريق الحوار الجمعي ـ بطرح وجهات نظرنا على مجمل افراد المجتمع ـ ان نخلق حالة من النقاش وتغيير القناعات، لكن الحقيقة اننا اذا كنا حقيقة نريد ان نغير نوعية الحياة ونمطها السائد فإن علينا ان نؤثر على القيم التي تتبناها الاغلبية في المجتمع، ذلك انه لن يحدث تغيير ما طالما ان هناك مقاومة جمعية قوية من قطاعات وشرائح كثيرة في المجتمع. اعتقد اننا سنكون كمن يجدف في الهواء، اذا بقيت جهودنا بعيدة عن الشباب باعتبارهم الشريحة التي تمثل غالبية المجتمع في اغلب الدول العربية حسب احصاءات المنظمات الدولية، وعليه فإن التأثير في القيم والخطاب المباشر وغير المباشر يتوجب ان يتجه إلى هؤلاء الشباب، لانهم هم الذين سيشكلون مجتمع المستقبل الذي نطمح اليه، وهذا هو ايسر والسبب وراء كل الدعوات الرامية لاصلاح بيئة التعليم وآليات التربية، وقنوات الاعلام والمؤسسات الشبابية المختلفة. في اليومين الماضيين قرأت كتابا حول كيفية تحكم الانسان بمستقبله الذهني، والعاطفي من اجل واقع ومستقبل مختلف نحو الافضل، وهو كتاب جدير بالتأمل حيث يقود إلى الاقتناع بأن التأثير والتغيير لابد ان يتوجه لشريحة الشباب قبل اي شريحة اخرى في المجتمع. في صفحات من الكتاب حديث عن المرسوم الحكومي الذي صدر في الولايات المتحدة الاميركية عام 1990 حول (الخدمات الوطنية والجماعية) وهو يستهدف توفير الاموال والتدريب والمساعدة الفنية للبرامج التي تمكن المجتمعات المحلية من تطوير وتوسيع فرص الخدمات لديها، ويشجع المرسوم جميع مواطني الولايات المتحدة بأن يتبرعوا بأوقاتهم ومواهبم وطاقاتهم، غير ان الاهم هو تركيز المرسوم على اشراك الشباب في المشاريع المختلفة في قطاع الخدمات الوطنية. يستهدف المرسوم إلى اشراك الشباب ودفعهم بكافة الوسائل للمساهمة في مساعدة كبار السن، والاشخاص الذين يعانون من اعاقات بدنية، ومرضى السرطان، والاميين والقاطنين في اماكن بعيدة، وغيرهم من الناس، ومن خلال التجارب اليومية في المساهمة بمساعدة الآخرين تتغير قيم هؤلاء الشباب وشخصياتهم حيث يتأثرون وبعمق شديد بكل ما يرونه ويمرون به، حيث ان مشاعر الامتنان التي يحملها هؤلاء المحتاجون تتلامس مع احتياجات الشباب للشعور بذواتهم واهميتهم وبأنهم اناس منتجون، ولهم اهداف نبيلة في الحياة. يحتاج الشباب في مجتمعنا وابتداء من سن المراهقة إلى نوع من التدريب والتربية المجتمعية والاسرية والمدرسية تخلصهم من شعورهم بالاحباط والفراغ واللاأهمية ما يدفع بهم نحو السلوكيات المدمرة كالتدخين والادمان، وتضييع الوقت مع رفاق السوء، وتكوين الشلل الخطيرة والادمان على افلام الجنس او الانترنت او التسكع في المراكز على غير هدى. ان تخليصهم من ذلك لن يتم الا حيث يشعرون بالرضا من انفسهم وذلك لا يتم الا حين يساهمون في عمل ما يقود إلى مساعدة او تقديم خدمة لافراد المجتمع ما يجعلهم محل تقدير واهتمام وامتنان الآخرين. ان العطاء بعيداً عن الانانية والسقوط في هاوية الذاتية وحب النفس هو الاساس للشعور بالرضا العميق عن النفس إلى هذه التربية وهذا التوجيه للشباب يحمل في طياته قوة كامنة تتلخص في ان عطاءنا للآخرين بلا مقابل يعيد توجيه قيمنا واعادة ترتيب الاوراق بشكل اخلاقي افضل، حيث سيشعر الشباب ان الساعات التي قضوها في الفراغ القاتل لم تحقق لهم اي شعور بالمتعة او الرضا بل على العكس، بينما المساهمة والتبرع بساعة او ساعتين يوميا لخدمة الآخرين اعطتهم قيمة كبرى هي شعورهم بمدى اهميتهم، وليس كما يعتقدون او يصفهم البعض بأنهم تافهون او غير مهمين او غير منتجين. يبقى السؤال: اين هي البرامج التي تطرح على الشباب للمساهمة فيها؟ وما هي الجهات المجتمعية التي تتولى هذه المهمة؟