الرواية الاميركية الرسمية حول خوسيه باديلا أو عبدالله المهاجر لم تقنع أحدا، لأنها جاءت كرواية رديئة في التأليف والتمثيل والاخراج، ولو أن ادارة الرئيس بوش استعانت بأهل هوليوود لاستطاعوا ان «يفبركوا» الرواية بشكل افضل ربما كان في مستوى افلامهم او بما يفوقها، ولكن يبدو ان ادارة الرئيس بوش لا يهمها ان يصدق الناس ما تقول، المهم فقط ان تظل مطرقة «الارهاب» فوق رؤوس الجميع، حتى لا ينسى أحد، وخصوصا العرب والمسلمين الذين مازالوا يرفضون ويقاومون تهمة دمغهم بـ «الارهاب» وبالمسئولية عن احداث 11 سبتمبر. ومن حسن الحظ ان هذا الغرور الأميركي خدم العرب والمسلمين هذه المرة، بل قدم لهم اعظم خدمة، فالرواية الرسمية الاميركية نسفت بالكامل كل الادعاءات والاكاذيب الاميركية التي تلت احداث سبتمبر الماضي، بل أنها قضت على كل المفاهيم التي تحاول اميركا تسويقها لـ «الارهاب»، تلك المفاهيم التي تحصر التهمة في العرب والمسلمين دون غيرهم، مع كيل الاتهام للثقافة العربية الاسلامية ووصمها بأنها ثقافة تدعو الى «الارهاب» بالفطرة، مما يستلزم نزع اسنان هذه الثقافة عبر تغيير المناهج الدراسية وتطويع كافة منابعها وفق الرؤية الاميركية التي تستهدف تدجين العرب والمسلمين. فالمهاجر الذي اتهمه المسئولون الاميركيون أنه كان يفكر في تفجير قنبلة اشعاعية بمدينة واشنطن ليس ابنا للثقافة العربية الاسلامية، فهو لم يتعلم اللغة العربية في طفولته او صباه او حتى عندما فكر في تنفيذ خطته، كما لم يذهب الى اي مدرسة او معهد اسلامي لتعلم القرآن أو الحديث الشريف أو حتى الادب العربي. كل ما قيل ـ أميركياً ـ عن هذا الرجل انه ولد في حي بروكلين بمدينة نيويورك وعاش في الاحياء الغربية لمدينة شيكاغو شمال ولاية النيوي. ومنذ صباه وهو في صراع مع اجهزة الأمن الاميركية بسبب حياته العنيفة الطابع، فقد اتهم بحيازة المخدرات وارتكاب عمليات سطو وحيازة سلاح بدون ترخيص، واشتراكه في حادث سطو مسلح انتهى بجريمة قتل. وبسبب مشكلاته مع الشرطة كان ينتحل اسماء متعددة مثل: خوسيه اورتيز، وخوسيه فرنانديز، وخوسيه ريفيرا، ويذكر تواريخ ميلاد مختلفة في كل مرة يضبط فيها .. هكذا قال الاميركيون انفسهم. وكانت آخر مرة أوقف فيها بواسطة الشرطة في اكتوبر 2001 خلال اقامته في فلوريدا لتشاجره مع سائق سيارة واستخدم ضده الرصاص، كما سبق له الاعتداء على ضابط بالشرطة خلال فترة سجنه. وكما قال أحد الصحفيين الاميركيين في مقال عنه : «ان كل المعلومات المتوافرة عنه تسمح برسم صورة لشقي تطارده السلطات». وهذه المعلومات كلها تؤكد بوضوح شديد ان خوسيه باديلا او المهاجر هو ابن اصيل للمجتمع الاميركي وللثقافة الاميركية المشبعة بالعنف ضد الغير. وان صفاته العنيفة اكتسبها منذ طفولته حيث ينتمي الى ظاهرة اطفال الشوارع ومن ثم وجد الطريق ممهدا امامه للانضمام الى العصابات في شيكاغو. واذا افترضنا ـ جدلا ـ ان باديلا اعتنق الاسلام ـ كما قالت السلطات الاميركية ـ فهذا يعني ان الاسلام لم ينجح في تغيير طباعة ولم ينجح في تغيير ثقافته، وربما يكون الرجل ـ اذا افترضنا صدق الروايات الاميركية ـ قد وجد في تنظيم القاعدة امتدادا لنشاطه الخارج على القانون، او معبرا عن طموحاته، فكثير من ابناء المجتمع الاميركي يعتبرون الشهرة هدفا حتى ولو جاءت عن طريق الاجرام، بل ان بعض الاميركيين ـ رغم هلعهم من تنظيم القاعدة ـ لا يخفون اعجابهم بهذا التنظيم لما احاطته به وسائل الاعلام الاميركية من هالات وقدرات خارقة. وهنا يمكن الجزم بأن هذا المهاجر لم يحسب يوما قط على الثقافة العربية الاسلامية، وانما يحسب بماضيه وحاضره على ثقافة الكاوبوي الاميركية. فهو عنيف منذ نعومة اظفاره ورضع العنف في شوارع وحواري شيكاغو على يد أعتى المجرمين والخارجين عن القانون. وتبعا لذلك تكون الثقافة العربية الاسلامية بريئة من هذا الكاوبوي الاميركي. ومن ثم لابد من توجيه الاتهام الى الثقافة الاميركية تحديدا، فهي التي تفرخ الارهابيين يوميا من امثال باديلا. ومن واجب العالم كله خاصة العرب والمسلمين ان يضغطوا على الدولة الاميركية لكي تعدل نظمها التعليمية وتعيد النظر في ثقافتها ومنابعها ومصادرها لانها ثقافة تفرخ الارهاب والارهابيين الذين يهددون العالم بالقنابل الاشعاعية ويرون انها الطريق الافضل للانتقام من المجتمع الذي مسخ وجودهم وحياتهم وطموحاتهم. بعد قصة باديلا لم يعد من حق الولايات المتحدة ان تتهم العرب والمسلمين بـ «الارهاب» لان هذا «الارهاب» موجود داخلها ومن صنعها وعليها ان تحاربه اولا لتحمي العالم من شروره والا فماذا يمنع ان يغامر مهووس اميركي من أمثال تيموثي ماكفاي بمهاجمة محطة نووية او يتحرك بتواطؤ من بعض الاميركيين الصهاينة ويحوز سلاحا نوويا يهدد به العالم وخصوصا مقدساتنا الاسلامية؟ كل هذا ممكن حدوثه بعد علو نغمة التحريض في الاعلام الاميركي على ضرب مكة المكرمة بالاسلحة النووية.