بقدر ما يتمنى المرء أن يكون متفائلا بالمستقبل، بقدر ما يخاف من هذا المستقبل. فمستقبل الرغبات والأمنيات شيء ومستقبل المؤشرات والدلائل شيء آخر. لا نيأس ولا نتشاءم ولا نحبط نعم، ولكن لا نغرق في التفاؤل وانتظار المعجزات و الإصلاحات وتحقيق الأحلام الوردية أيضا. فذلك المستقبل الذي تقول إحدى الدراسات أن فيه سيكون عندنا نحو 200 ألف مواطن إماراتي يبحثون عن عمل، وهو مستقبل قريب جدا سيكون في عام 2006 أي بعد أربع سنوات من اليوم، هو مستقبل لابد أن يشعرنا بالخوف والقلق.! والمستقبل الذي تقول دراسة أخرى انه سيكون فيه عندنا أكثر من 11 مليون وافد تزيد نسبتهم عن 89% من جملة سكان الدولة، وهو مستقبل قريب أيضا مداه بعد أقل من عشرين عاما. هو مستقبل لا يبشر بالخير أبدا.! هذه الدراسة العلمية التي توقعت أن يتساوى ـ فقط يتساوى ـ حجم المواطنين والوافدين بافتراض نسبية تقليص حجم الوافدين تدريجيا بمعدلات غير محسوسة ـ وهذا الأمر الذي لا يحدث ولا أظنه سيحدث واقعيا من خلال المؤشرات التي نراها فإن هذا التساوي سيتحقق في العام 2058 ميلادية. أي لن نراه نحن وإنما قد يراه أحفادنا! ماذا تقول مؤشرات المستقبل وماذا تقول الأرقام أكثر؟ قبل أيام قرأنا تقريراً تقول أرقامه ان هناك 180 ألف منشأة وهمية في دولة الإمارات وأن مجموع عمالها يصل إلى نحو 540 ألف عامل بدون عمل ، هكذا ينتشرون على أرض هذا الوطن!. أية مصيبة وأي خطر أعظم وأكبر من هذا على سلامة إنسان هذا الوطن وعلى مستقبل هذا الوطن. ما العمل؟ ومن أين نبدأ؟ هذا هو السؤال الذي يفترض أن يعني كل الحكومة وكل أفراد هذا المجتمع، فالقضية هنا قضية وطن وقضية مستقبل. وعند الوطن كل شيء يهون.. أليس كذلك؟ أمس أعلن سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم عن مبادرة تصب في قضية مستقبل الوطن، وهي مبادرة مفرحة تبشر بالخير في زمن يحاصرنا فيه الخوف والقلق. فسوق الإمارات مثل أشياء كثيرة فيها، يستفيد منه ويتحكم به، سيل هذه العمالة الوافدة، ومن المصائب العظيمة التي تواجه أية أمة أن تكون تجارتها وصناعتها واقتصادها في قبضة الغرباء.عندنا تجار قدامى يملكون ثروات ووكالات لكن هؤلاء عددهم لا يتجاوز العشرات وسط هذا السوق الضخم والمنوع الذي يضم الآلاف من كبار التجار وصغار التجار الوافدين. وحتى هذه العائلات التجارية فانها أكثر من غيرها شعورا بالخوف لوضع السوق لأنها تعيش فيه عن قرب ويزداد عليها الخناق فيه. مبادرة سمو الشيخ محمد بن راشد في إنشاء مشروع يحمل اسمه لدعم الشباب وتشجيعهم معنويا ـ كما قال سموه وماديا، للدخول إلى سوق العمل ومساندتهم بالاستشارات والخبرات وتوفير كل سبل العمل والنجاح لهم. ورغبته أن يكون هناك 200 تاجر وتاجرة في نهاية العام الاول للمشروع ، طموح كبير وجميل لبناء وتنمية إنسان هذا الوطن. هذه المبادرة التي أعلنها سموه والتي أكد أنها لجميع أبناء وبنات الإمارات يفترض أن تكون لها امتدادات ومساندات، فعندنا سبع إمارات تتبعها عشرات المدن والقرى فيها مئات الشباب والشابات الباحثين عن فرص ، بينما بعض هذه المدن لا يوجد في أسواقها، دكان لمواطن ـ بمعنى أنه المالك الحقيقي له وليس صاحب الرخصة الذي يقبض (الفتات) عند التجديد. أعطوهم الفرصة، وقبل ذلك التشجيع والدعم، أما من غير ذلك فسيتحولون إلى عالة، وستبقى مصالح الوطن في أيادي هذه العمالة. المدخل الذي استهل فيه محمد القرقاوي رئيس مجلس إدارة هيئة دبي للاستثمار والتطورالتي ترعى المؤسسة الوليدة، هو وصية مهمة ومنطلق أساسي يفترض أن يكون نموذجا يستحضره هؤلاء الشباب وغيرهم ليس في بداية انطلاقتهم فقط وإنما طوال مسيرتهم. حكى القرقاوي تجربة ذلك الشاب المواطن الذي بدأ حياته العملية في العام 1950 بدكان صغير من خلال دعم مالي قدره 700 روبية هندية قدمها له اخواله من عائلة الغرير . وبعد الربع الأول من العام جاءته لجنة تدقيق على حسابات المحل مكونة من عبدالله الغرير ومحمد عبدالله القاز ـ طبعا وصف لجنة مجازي ولكنه يعطيك مدى اهتمام الأهالي بمراقبة ودعم أبنائهم ـ فوجد المراقبان أن التاجر المبتدئ حقق أرباحا صافية قدرها ألفا روبية، وهو مبلغ ضخم جدا بمعايير ذلك الزمن وفي تجربة وليدة مثل هذه، اطمئنا عليه وفرحا به، وخرجا من عنده متمنيين له مستقبلا مشرقا في عالم التجارة والأعمال. وقد كان أن أصبح ذلك التاجر المبتدئ واحدا من أشهر واغنى التجار ليس على مستوى الإمارات وإنما في المحيط العربي والدولي. هو جمعة الماجد الذي كان يجلس في اللقاء على يمين سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم في لفتة لها دلالتها. تجربة جمعة الماجد التي افتتح بها محمد القرقاوي حديثه، يفترض أن يدرسها شباب اليوم ليس من منظور قصة الكفاح والصبر فيها فقط، إنما كيف تكون أخلاق التاجر، وكيف تكون له رسالة في هذه الحياة أكبر وأهم من جمع المال، وكيف يلزم نفسه وماله بخدمة دينه ووطنه وامته، ويعمل الخير دائما. الخير دائما هذا هو أهم وأصعب عمل يمكن أن يؤديه الإنسان، وهو الذي يحفظ المال ويحفظ الإنسان ويبقى ذكرى في الأرض والسماء. مؤسسة محمد بن راشد لدعم الشباب مبادرة رائدة في توقيت مهم تحتاج أن يدعمها ويرعاها الجميع، لأنها واحدة من رؤى تستشرف مستقبل أفضل لهذا الوطن.