كيف ستكون حظوظ البرلمان الجزائري الجديد في احتواء المشاكل المتراكمة والمتزايدة والعديدة؟ وما هي فرص البرلمان الجديد ، في انجاح عملية الانعاش الاقتصادي وتوفير الامن والاستقرار للشعب الجزائري، وخاصة توفير فرص العمل وحل مشكلة القبائل ومشاكل اقتصادية واجتماعية اخرى عديدة ومعقدة تشغل بال غالبية الشعب الجزائري؟ هل يعني فوز حزب جبهة التحرير الوطني بأغلبية مقاعد البرلمان عودة الجزائر الى عهدة الحزب الواحد؟ ام ان هذه النتيجة تعني افلاس الفضاء السياسي الجزائري؟ ام ان الممارسة السياسية في الجزائر بدأت تنضج وتتعلم الديمقراطية؟ وهل لفظ حزب التجمع الوطني الديمقراطي انفاسه الاخيرة وانتهى؟ وحتى التيار الاسلامي الذي راهن عليه الكثيرون حقق نتائج باهتة وتراجع بطريقة مفاجئة باستثناء حزب الشيخ عبدالله جاب الله الذي فاز بـ 43 مقعدا اهلته لتزعم التيار السياسي الاسلامي في الجزائر. هل فوز حزب جبهة التحرير الوطني يعني فشل المعارضة في ارساء قواعد جديدة للممارسة السياسية وللديمقراطية في الجزائر؟ ام ان هذا الفوز عبارة عن هدية مسمومة للحزب العتيد نظرا للمرحلة الصعبة التي تمر بها الجزائر وللتحديات الكبيرة التي تنتظر من سيسيطر على البرلمان الجديد؟ هل يستطيع علي بن فليس تشكيل حكومة ائتلاف وطني تعكس الفضاء السياسي الجزائري بمكوناته المختلفة في غياب الاحزاب الديمقراطية وانهيار حزب التجمع الوطني الديمقراطي الذي يستحوذ على اغلبية المقاعد في مجلس الامة، الغرفة الثانية؟ البرلمان الجديد تنتظره اعمال كثيرة ومهام شاقة من اهمها المشكلة القديمة المتجددة وهي مشكلة منطقة القبائل التي قاطعت الانتخابات وصرحت علنا انها لا تعترف بالبرلمان الجديد. ففي منطقة القبائل يلاحظ العام والخاص غياب الدولة والسلطة وتمرد المنطقة على النظام المركزي في الجزائر العاصمة، ورغم تشريع الامازيغية كلغة وطنية مازال الاستئصاليون في القبائل يطالبون بالمزيد وبالاستقلال الذاتي. مشكلة القبائل مشكلة القبائل تحركها قوى خفية في الجزائر وفي خارج الجزائر تصطاد في المياه العكرة وتتمنى ان تبقى الاوضاع على حالها. هناك مافيا سياسية ومالية تسيطر على الاوضاع وتعرقل كل مشروع وطني يخرج بالبلاد الى بر الامان وهذه القوى عرقلت النوايا الطيبة والمقاصد الانسانية للرئيس السابق اليمين زروال الذي انسحب بشرف لانه اقتنع ان ارادته ونيته ومشاريعه ستفشل امام اباطرة الحاويات وامراء الكواليس السياسية ثم جاء بوتفليقة الى سدة الحكم وكله امل في تغيير الاوضاع وفي استرجاع امجاد الجزائر وسمعة الجزائر ومكانتها في المحافل الدولية. في عهد الرئيس بوتفليقة وبعد ثلاث سنوات من الحكم بقيت البطالة على حالها تتعدى الثلاثين بالمئة،وتضخمت المشاكل الاجتماعية وتفاقم الحرمان والتهميش والاقصاء واصبحت الحياة اليومية جحيما لنسبة كبيرة من الجزائريين. الرئيس بوتفليقة فوجيء بخطورة الوضع الذي تجاوز كل تصوراته ومما ازم الامور اكثر فأكثر فشل الخصخصة واستقطاب رؤوس الاموال الاجنبية نظرا للذهنيات التي لم تقبل بالتغيير وبقيت على نمط التفكير المركزي البيروقراطي الاشتراكي، وهكذا عجزت الجزائر عن استقطاب المستثمرين الاجانب وعجزت عن خصخصة مئات المؤسسات والمصانع التي أفلست واضطرت الى تسريح الآلاف من عمالها. هل يستطيع البرلمان الجديد ان يفك رموز العجلة الاقتصادية الجزائرية التي مازالت تعاني من الركود والتآكل؟ هل يستطيع هذا البرلمان تجاوز العراقيل والبيروقراطية وأباطرة «الحاويات» أو الصالونات؟ ولا خيار لحزب جبهة التحرير الوطني إلا فتح الأبواب للحزب الذي يسيطر على أغلبية المقاعد في مجلس الأمة الحالي، وإلا فكل ما يقره المجلس الشعبي الوطني يرفضه مجلس الأمة الذي يسيطر عليه حزب أويحي. المشكل المطروح في هذا التحالف هو ان حزب أحمد أويحي يمر بأزمة داخلية كبيرة حيث كانت السبب الرئيسي في هزيمته النكراء يوم 30 مايو الماضي. حزب التجمع الوطني الديمقراطي فرض على المجتمع الجزائري من قبل قوى سياسية ومالية كانت بحاجة الى حزب يدعّم الرئيس آنذاك ـ الامين زروال ـ ويحل محل حزب جبهة التحرير الوطني ـ الحزب الذي ثأر منه الشعب الجزائري في انتخابات 1991 وجعله مسئولاً مباشرا عن كل المشاكل والهموم التي تمر بها البلاد، فالسؤال الذي يطرح نفسه على البرلمان الجديدد هل لحزب جبهة التحرير الوطني الوسائل والامكانيات للتخلص من حزب التجمع الوطني أم انه مرغم على التعايش معه وما هي الفائدة أو الخسارة في كلتا الحالتين؟ فهناك أخبار تؤكد ان عبدالقادر بن صالح رئيس المجلس الشعبي الوطني السابق سيترأس المجلس الحالي. ومشكلة التعايش مع التجمع الوطني الديمقراطي تكمن في أزمة الثقة الموجودة حاليا بين القاعدة وقيادة الحزب وبين النواب السابقين وأحمد أويحي الأمين العام للحزب. مستقبل الاصلاحات يمثل التيار الاسلامي قوة لا يمكن تجاهلها في البرلمان الجديد وفي السلطة التنفيذية المرتقبة فهذا التيار المتمثل في حركة الاصلاح الوطني وحركة مجتمع السلم وبدرجة أقل حركة النهضة رغم تراجع نتائجها مقارنة بتشريعات 1997، سيكون ممثلاً في البرلمان الجديد بزعامة وقيادة جديدة هذه المرة والمتمثلة في شخص الشيخ عبدالله جاب الله. والسؤال المطروح هنا هل تستطيع الاحزاب الاسلامية ان تتحالف فيما بينها وتوحد صفوفها وتشكل كتلة موحدة تجابه بها الاحزاب الوطنية والاحزاب الديمقراطية أم ان «مشكلة الزعامة» ستظل تسيطر على عقلية قيادات هذه الاحزاب؟ التجربة السابقة لحزب الشيخ محفوظ نحناح والدكتور لحبيب آدمي لم تستجب لطموحات مناضلي هذين الحزبين. معطيات المرحلة التشريعية الجديدة في الجزائر تشير الى شراكة سياسية مثمرة وفعالة ومتجانسة بين حزب جبهة التحرير الوطني المعروف بتوجهاته الوطنية والعربية الاسلامية وبين الاحزاب ذات التوجه الاسلامي مما يفرز كتلة قوية من شأنها ان تضعف التيار الاستئصالي وتتغلب عليه. ملفات عديدة وهامة تنتظر البرلمان الجزائري الجديد من أهمها برنامج الانعاش الاقتصادي الذي يعوّل عليه الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة كثيرا ويعتبره مشروعه المحوري والاستراتيجي. وتجدر الاشارة هنا الى ان الرئيس بوتفليقة لم يكن يستحسن البرلمان السابق على الاطلاق وهذا نظراً لسيطرة حزب التجمع الوطني الديمقراطي عليه ونظرا للظروف التي أسس فيها هذا الحزب والظروف التي استحوذ من خلالها على مقاعد البرلمان. أما البرلمان الجديد الذي تم انتخابه في عهدة الرئيس بوتفليقة فيعتبره الرئيس الجزائري برلمانا يمثل الخريطة السياسية الجزائرية حيث انه جاء عن طريق انتخابات نزيهة وشفافة رغم مقاطعة منطقة القبائل ورغم الاقبال الضعيف على صناديق الاقتراع، سيدرس البرلمان الجديد ملفات كثيرة منها القوانين المتعلقة بالاصلاحات الاقتصادية والاجتماعية مثل قانون المحروقات، الاراضي الزراعية، الأسرة، الإعلام والتجارة الخارجية، وغيرها من مشاريع القوانين التي تحتاجها الجزائر في هذه المرحلة الانتقالية المهمة. فانجازات البرلمان السابق وكذلك انجازات الرئيس بوتفليقة تعتبر ضئيلة جداً وهزيلة مقارنة مع ما كان ينتظره الشارع الجزائري. مشاكل قديمة وتحديات كبيرة في انتظار حزب جبهة التحرير الوطني والبرلمان الجديد، فهل سيفلح علي بن فليس في تجاوز الأزمة وبدء مرحلة جديدة تخرج الجزائر من محنتها التي طالت وأنهكت قواها وشعبها؟ ـ قسم الاتصال ـ جامعة الشارقة