ينام المواطن الاميركي العادي ويصحو يومياً على هاجس وقوع تفجير جرثومي أو نووي في أي وقت وفي أية مدينة اميركية. وما تكاد أصداء بيان تحذيري من اجهزة الأمن الاميركية تتلاشى حتى يفاجأ المواطن بتحذير تال. ويأتي فصل الصيف لتفكر الأسر الاميركية في التخطيط للسفر السياحي خارج الولايات المتحدة لقضاء العطلة السنوية، فيكتشف أعضاء الأسرة ان تحذيرات وزارة الخارجية الاميركية للمواطنين الأميركيين عامة بتجنب دول معينة يخشى فيها على سلامتهم تغطي مساحة العالم كلها تقريباً من الارجنتين الى اندونيسيا ومن ايطاليا الى جنوب افريقيا عبوراً بالعالمين العربي والاسلامي برمتهما. التحذيرات في اجماليها زائفة، لكنها ليست اعتباطية أو عشوائية. انها الانعكاس الظاهري لسياسة خفية موضوعة بعناية فائقة تهدف الى نشر حالة من الارتعاب المستديم في أوساط الشعب الاميركي بكل قطاعاته. والهدف الثابت المحدد سلفاً هو تبرير ابقاء «الحرب العالمية على الارهاب» مشتعلة الى الأبد. قبل نحو اسبوعين نقلت وسائل الإعلام الاميركية عن دونالد رامسفيلد وزير الدفاع تصريحات قال فيها ان العالم بلغ مرحلة تتوافر فيها أسلحة الدمار الشامل بشكل متزايد «وهي في أيدي أشخاص راغبين جداً في استخدامها ضد جيرانهم ولديهم علاقات مع شبكات ارهابية». ومن هذه الفرضية يخلص رامسفيلد الى ان «هذا التهديد المحتمل يبرر الحرب العالمية التي تشن ضد الارهاب بقيادة الولايات المتحدة بعد اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر». لكن استمرار هذه الحرب العالمية وتوسيع نطاقها من حين لآخر بأشكالها المختلفة يتطلب بالضرورة انفاقاً باهظاً مما يتطلب رصد اعتمادات مالية متضاعفة تتعدى مستوى مئات المليارات من الدولارات الى مستوى التريليون فما فوق. وبما ان تصاعد الانفاق الحربي يكون بالضرورة على حساب القطاعات الاقتصادية الأخرى المتصلة برفاهية الشعب الأميركي فإن أصواتاً انتقادية قد ترتفع متسائلة عن استمرار الحرب العالمية ضد الارهاب وعما إذا كان هناك فعلاً «ارهاب» بالخطورة والانتشار اللذين يبرران انخراط الولايات المتحدة ومواردها في حرب حول العالم وبلا نهاية. من هنا كانت سياسة الترعيب الداخلي من أجل المحافظة على مستويات الخوف الشعبي داخل الولايات المتحدة بما يبقي مبررات استمرار الحرب الخارجية. وكلما بدا أن مستوى الارتعاب الشعبي يميل الى الهبوط ابتدعت قصة درامية لاشعال مشاعر الخوف مرة أخرى. آخر ابداعات السياسة الاميركية للإرعاب الداخلي تتعلق باعتقال «ارهابي» في واشنطن «كان يخطط لتفجير قنبلة اشعاعية في الولايات المتحدة» على حد قول وزير العدل جون اشكروفت الذي باتت سحنته الملساء التي لا تحمل أي تعبير من أي نوع من ثوابت الشاشة التلفزيونية الاميركية كاعلانات الكولا. والقصة مثل سابقاتها بادية التلفيق. فوفقاً للرواية الرسمية فإن هذا الرجل «الارهابي» اعتقل لا لأنه كان بسبيل تفجير القنبلة المزعومة، بل ولم يكن لديه قنبلة أصلا، ولم يضبط وهو يقوم بتصنيع قنبلة.. إنما كان «يفكر» في تصنيع قنبلة. والرجل مواطن أميركي ينحدر من أصل اسباني واسمه «خوزيه باديلا». لكن الرواية الرسمية تقول انه اعتنق الاسلام وأطلق على نفسه كنية «أبو عبدالله المهاجر» وانه «كان يقيم تعاوناً وثيقاً مع تنظيم القاعدة». إن مثل هذه التلفيقات مهلهلة النسج لن تصمد حتى لمدى دقائق أمام محكمة مدنية. وهنا تنفضح القصة من أساسها، فالمواطن باديلا سوف يقدم الى محكمة عسكرية حيث يمثل المتهم وهو «مدان» ابتداء حتى قبل استجوابه. وقبل ذلك كانت رواية «الجمرة الخبيثة» واحتمال هجمات على محطات الطاقة النووية واحتمال تكرار الهجوم بطائرات مدنية على غرار تفجيرات سبتمبر. لكن يبقى سؤال: لأي هدف يحرص القادة الاميركيون على استمرار «الحرب العالمية ضد الارهاب» أصلا؟ الهدف ببساطة هو ترويج صناعة السلاح الأميركية وتوسيع أسواقها. فاستمرار الحرب يعني توسع وزارة الدفاع الأميركية في تعاقدات شراء الأسلحة من شركات انتاج السلاح العملاقة وحمل دول أخرى على شراء المزيد من السلاح من أجل المساهمة الفاعلة في «الحرب ضد الارهاب». هذا هو الواجب الأساسي لرجل مثل دونالد رامسفيلد وفق رؤيته لمنصبه كوزير للدفاع. فما كان له أصلاً أن يحلم بالحصول على هذا المنصب إلا استناداً لدعم شركات انتاج السلاح له. إنها تجارة الحروب!