منذ أحداث الثلاثاء الدامي في نيويورك وواشنطن والبيت الأبيض يحاول أن يتملص من مسئوليته عما حدث حتى لا يتهم الرئيس جورج بوش الابن بالضعف، أو أنه لم يكن قادرا على تحمل مسئوليته، في هذا الإطار تم تحويل الأنظار بداية بحرب أفغانستان التي كلفت الولايات المتحدة أموالا طائلة كان يمكنها أن تغطي احتياجات فقرائها وأبنائهم، وأيضا أرقاما من القتلى لا يتم الإعلان عنها حتى لا تتحول إلى فيتنام أخرى وتواجه الإدارة الحالية ما واجهته إدارة الرئيس جونسون من قبل. في إطار جهود فريق الرئيس بوش الابن تقرر اللجوء إلى كل ما يمكن تخيله من الأسلحة، لا أقصد فقط أسلحة المعارك التقليدية، بل أيضا الأسلحة الإعلامية التي درسها هذا الفريق على يد أساتذة الإعلام العسكري الموجه، من أول وزير دعاية النازي «جوبلز» إلى أكاذيب هنري كسينجر خلال حرب فيتنام وانقلابات أمريكا اللاتينية التي خطط لها ونفذتها المخابرات المركزية في عهده، ويبدو أن الأكاذيب كانت السلاح الأكثر قبولا لدى هذا الفريق لإنقاذ ما يمكن إنقاذه بعد تلك الضربة المفاجئة التي لم يتوقعها العملاق العالمي، ونتائجها المهينة. لكن مشكلة هذا الفريق أنه يفتقر إلى الخبرة حتى في مجال الأكاذيب، أو لنقل أنه فريق مكون من «أعداء» أكثر من انه فريق يعمل من اجل تحقيق هدف واحد، لأن بعضه يكذب بعضه، سواء عن قصد أو دون قصد، أو بسوء نية أو بحسنها، فما أن وضع هذا الفريق الكذب كاستراتيجية في معركته ضد ما يسمونه «الإرهاب» حتى سرب بعض هذا الفريق هذه المعلومات، وتحدث بعضهم عن استخدام الكذب علنا، باعتبار أن «نشر الأنباء غير الصحيحة» لا يعتبر «كذبا»، بل يعتبر «طعما» يتم مده من خلال وسائل الإعلام للإيقاع بمن يخططون للقيام بأي عمل «إرهابي» ضد الولايات المتحدة ومصالحها. هذه الحيلة وضعت فريق الرئيس جورج بوش الابن أمام عاصفة من الانتقادات، حتى من وسائل الإعلام الأميركية التي قبلت طواعية رقابة محكمة على محتواها باعتبار أن البلاد في حالة «حرب»، وأنها تقاتل من اجل «الحرية»، بدأت تتشكك في الهدف الحقيقي من عمل الإدارة الأميركية. تخطي الحواجز لكن الأحداث تتوالى سريعة في عالم متسارع لا يقبل الهدنة، وتحت ضغط تسارع الزمن وجدت المؤسسات الرسمية القائمة على أمن البلاد نفسها وسط دوامة من المعلومات لا تستطيع معها التوصل إلى تحليل حقيقي يضمن عدم تكرار ما حدث في الحادي عشر من سبتمبر الماضي، وأيضا بدأ يبرز على السطح صراع بين كل تلك المؤسسات انتهى باتهام كل مؤسسة للأخرى بعدم التعاون، حتى وصل الأمر إلى كشف الكثير من المعلومات التي كانت لدى بعض تلك المؤسسات حول إمكانية حدوث ما حدث في سبتمبر دون أن تتمكن أي جهة من قراءة تلك المعلومات قراءة صحيحة، واتخاذ خطوات عملية تمنع حدوث ما حدث. بعض هذه المعلومات التي نطالعها في وسائل الإعلام ربما يكون حقيقيا، ولكن من المؤكد أن جزءا كبيرا منها ليس حقيقيا، لأن المعلومات التي يتم طرحها على ساحة النقاش لا تؤكد شيئا محددا مما يجعل من الصعب على أي جهاز أمني أن يمنع وقوع أي أحداث مشابهة إلا إذا قام بعمليات «اعتقال وتعذيب» لآلاف الأفراد لمجرد الشبهة، مما يجعل البحث عن المعلومة الحقيقية والمحددة كالبحث عن إبرة في كومة من القش. لكن فريق الرئيس جورج بوش الابن قرر بالفعل أن يمارس عمليا هذا النمط من البحث عن المعلومات، حتى لو تبين أنها لا تؤدي إلى شئ، لكنه كان أمام حاجز مما يسمونه في الديمقراطية باسم «حقوق المواطن»، وكان لا بد من تخطي هذا الحاجز من خلال قوانين تسمح للأجهزة الأمنية بممارسة عمليات تعتبر غير قانونية، أي أن تتحول الديمقراطية الأمريكية إلى دكتاتورية بوليسية، وتتحول الإدارة الأمريكية إلى نظام لا يختلف كثيرا عن الأنظمة الدكتاتورية التي كانت تقيمها وتدعمها في أمريكا اللاتينية خلال النصف الثاني من القرن العشرين. حتى لا يتم تشبيه الولايات المتحدة بتلك الدكتاتوريات قرر البيت الأبيض اعتماد نظام «الانتقاء» في اعتقال ما يشتبه في انتمائهم إلى منظمات إرهابية والقبض عليهم واستجوابهم، على اعتبار أن بعض مثل هذه العمليات البوليسية يمكنها أن تنشر الخوف بين الجميع، بالطبع الانتقاء جاء سهلا نتيجة أن المجتمع الأميركي يفرق بين مواطن وآخر، حتى لو كانوا جميعا يحملون جنسية البلاد سواء بالميلاد أو التجنس، وهو أمر معروف ومعترف به في دوائر البوليس، فالجنس الأبيض لا يتم القبض عليه واستجوابه إلا في حضور محاميه، أما الأسود فيمكن التعامل معه حسب أهميته الشخصية أو مكانته الاجتماعية، البعض لهم حق حضور محام يدافع عنه، والبعض الآخر لا يملك هذا الحق لأن لون جلده يكفي لإثبات الاتهامات ضده، أما «الهيسباني» أي الذي ينتمي إلى الجنس الأميركي اللاتيني حديث الهجرة فيأتي بعد الزنجي الأميركي في المكانة الاجتماعية، ويبدو أن أحداث سبتمبر الماضي نتج عنها وضع من هم من أصول عربية أو يعتنقون الإسلام كدين في ذيل القائمة الاجتماعية. من هنا تقرر استخدام هذا السلم الاجتماعي العرقي الديني كمؤشر في حالة القيام بأعمال وقائية بوليسية داخل الولايات المتحدة الأميركية، وهذا يسهل بالطبع تطبيق نظرية «الكذب» لمقاومة الإرهاب، والكذب هنا يعني «تلفيق» الاتهامات. من هنا كانت القضية التي تم الإعلان عنها هذا الأسبوع وكأنهم يعلنون عن وقوع كارثة عالمية، فقد بدأ عملية الدعاية النائب العام «جون اشكروفت» خلال رحلة مهمة في موسكو، وشارك في الدعاية لها الرئيس جورج بوش الابن شخصيا، الذي لم ترمش له عين وهو يصف المشتبه المقبوض عليه بأنه «مجرم عتيد لا تجوز معه الرحمة» ، وكأن الرئيس الأميركي يملك بين يديه من الأدلة ما يؤكد ثبوت الاتهام، وهو أمر غريب في بلاد تؤكد دساتيرها على البراءة حتى بعد استنفاد آخر مرحلة من مراحل التقاضي. القضية أنه تم القبض على مواطن أميركي المولد والجنسية عقب عودته من رحلة إلى باكستان، واتهامه بالانتماء إلى تنظيم «القاعدة»، وأنه مكلف بتفجير قنبلة «إشعاعية قذرة» في مدينة واشنطن لإحداث أكبر قدر من الخسائر. خلال حبك هذه الحكاية لتحدث أكبر قدر من ردود الأفعال داخل المجتمع الأميركي أولا، قيل انه مواطن يحمل الجنسية الأمريكية ويعتنق الإسلام دينا، وأنه تم تدريبه في معسكرات في أفغانستان على تصنيع متفجرات إشعاعية والقيام بأعمال إرهابية أخرى. تم بالطبع الإشادة بكفاءة رجال مكتب التحقيقات الفيدرالي والمخابرات المركزية، وأن التعاون بينهما كان وراء تحقيق هذه النتيجة المذهلة التي تؤكد أنهما يعملان بشكل ممتاز، ويمكن للمواطن الأميركي أن يثق منذ الآن في قدرتهما على تحقيق الأمن داخل البلاد. كانت ردود الأفعال الطبيعية داخل المجتمع الأميركي هي الرعب، لأنه تأكد لدى المواطنين أنهم يعيشون في بلاد غير آمنة، أما داخل الإعلام المحلي في الولايات المتحدة كانت إيجابية على الرغم من تشكك بعضها من العملية نفسها، لأنها تأتي في وقت يواجه فيه مكتب التحقيقات الفيدرالي والمخابرات المركزية انتقادات حادة، خاصة بعد تكشف حقائق كثيرة عن الفوضى التي يغرق فيها الجهازان إلى درجة أصبح فيها التنافس على إخفاء الحقائق بين قياداتهما أكبر من التنافس على التوصل إلى نتائج تؤدي إلى ممارسة المهام الموكولة إلى كل منهم بكفاءة. جولة خاسرة لكن إدارة الرئيس بوش الابن كانت تنتظر أيضا ردود أفعال إيجابية مباشرة وفورية في وسائل الإعلام العالمية، لكن منذ الإعلان من جانب بعض رجال البيت الأبيض عن استخدام «الكذب» كاستراتيجية لم يعد الإعلام الغربي يتقبل كل ما يأتي من واشنطن دون فحص وتدقيق للتوصل إلى الرسالة الخفية التي تكمن وراء كل خبر، ولم يعد الإعلام في أوروبا الغربية يسير بعيون مغمضة كما كان خلال الأشهر الأولى التي تلت أحداث سبتمبر، ولم يعد هذا الإعلام أداة لنشر كل ما تريده الإدارة الأميركية. جاء التدقيق في خبر القبض على هذا «الأميركي المسلم» المتهم بعملية القنبلة الإشعاعية القذرة بنتائج لم يتوقعها الرئيس جورج بوش الابن نفسه، لأن نشر صورة «المشتبه فيه» أدى إلى اكتشاف الملامح التي تبدو على وجهه، وهي ملامح لا يمكن أن تكون لوجه ينتمي إلى أي من الأعراق المعروفة بانتمائها إلى العالم العربي والإسلامي، أنها ملامح لاتينية. خلال مراحل تمرير عملية «الكذب» الأميركية تكشف المزيد من الحقائق، فالمشتبه فيه ليس «عبد الله» بل اسمه «خوسيه باديا»، ومن مواليد نيويورك عام 1970، انتقل خلال سنوات طفولته الأولى ليعيش في مدينة شيكاغو برفقة أبويه الفقيرين. معلومات عادية قد تساعد على تمرير كذبة البيت الأبيض باعتبار أن المتهم «اعتنق» الإسلام، سواء صادقا أم لهدف في نفسه، ومن هنا بدأت علاقته بتنظيم القاعدة، لكن تبين بعد ذلك أن المشتبه فيه معروف لدى دوائر البوليس الأميركي نظرا لسجله الطويل من العمليات الخارجة عن القانون والتي يقع معظمها في دائرة «الجنح» بلغة القانون، أي عمليات سرقة ونصب وغيرها من الجرائم الصغيرة التي يجد الكثير من أبناء الأقليات في الولايات المتحدة أنفسهم مدفوعين إلى ارتكابها لضمان البقاء على قيد الحياة في مجتمع لا يعترف سوى بالمال كهدف رئيسي في الحياة، فالمال مقياس النجاح والفشل في عالم الرأسمالية المطلقة الذي تمثله الولايات المتحدة. هذه المعلومات التي نشرها مكتب التحقيقات الفيدرالي كانت نتيجتها أن تحليلات وسائل الإعلام الغربية جاءت بنتائج عكس ما كان البيت الأبيض يتوقعه، مما أدى إلى طرح العديد من الأسئلة، اولا حول علاقته بالبوليس الأمريكي، وثانيا حول الإمكانيات التي يتمتع شخص مثل هذا فشل في خوض تجربة إجرامية أكبر حجما حتى يمكنه أن يصل إلى حد الذكاء المطلوب لصنع «قنبلة إشعاعية» قاتلة والقيام بأعمال إرهابية (؟)، ثم غياب الأدلة المادية التي لا بد من وجودها لصنع مثل هذه القنبلة، والخرائط التي تؤكد على أنه كان يخطط تفجيرها في مكان معين. على اثر التساؤلات المطروحة اضطر مكتب التحقيقات الفيدرالي إلى ممارسة مزيد من الأكاذيب حتى يؤكد على نجاح استراتيجيته في الإيقاع بالمشتبه فيه قبل أن يتمكن من القيام بخطوات عملية لتحقيق أهداف، وإذا بهذا الكذب يؤكد على الشكوك التي أعلنها المراقبون في كل وسائل الإعلام تقريبا. اعترف مكتب التحقيقات الفيدرالي أن المشتبه فيه لم يتم العثور معه على أي أدلة مادية، وأن عملية تصنيع القنبلة الإشعاعية القذرة كانت مجرد فكرة في «رأسه» فقط، أما المكان الذي كان ينوي تفجير القنبلة فيه فقد كان مدينة «واشنطن» لأن المشتبه فيه أبدى معرفة دقيقة بالعديد من الأماكن في تلك المدينة (!) رغم تكشف الأكاذيب حول هذا المشتبه فيه وربطه بعملية إرهابية وهمية بشكل فاضح إلا أن الرئيس جورج بوش الابن قرر مرة أخرى أن يتمادى في أخطائه بتطبيق «قانون الحرب» عليه، وتحويل المشتبه فيه إلى محكمة عسكرية حتى يحرمه من الدفاع عن نفسه، وإذا تمت إدانته فلن يعرف أحد الحقيقة، لأن المتهم مجرد فرد ينتمي إلى الطبقة الأدنى في المجتمع الأمريكي، واعتناقه الإسلام يضعه في أقصى قاع هذا المجتمع الذي يرفع شعارات الحرية والمساواة ويمارس فعليا عكسها. النتيجة أن الرئيس جورج بوش الابن خسر الجولة الأولى في معركة الأكاذيب. ـ كاتب مصري مقيم في أسبانيا