أرى وجوههم يوميا تضيء الصفحات الاولى من صحف الصباح العربية، ولا يهم ان كانت الصور ملونة او كانت بالابيض والاسود، انها وجوههم الصغيرة، عيونهم المغمضة على حلم بحجم وطن جميل سرقه البرابرة ذات ليل فاتشحت المساحات بالسواد وصارت الارض سجنا والوطن معتقلا وصار الصغار وزهور العمر البهي يتساقطون لتحرير السجن واستعادة الوطن، وصار الليل يوغل في اعمارهم ويحكم الاسار! بالامس رأيت وجه «حسين» فصحت شارقة بدموعي (حبيبي) كيف ذهبت تاركا هذه الام يلتهمها ألم الوداع النهائي؟ سمعته يقول، هكذا كتبوا تاريخي، لكن النهر سيمحو آثار القدم الهمجية، وسأعود ذات صباح لأقبل يد والدتي وجبين ابي، وسأنظر الى اين وصلت آخر المزادات على وطن القداسات والدروب الذاهبة للسماء! كان «حسين» غافيا في حضن النهاية، كان ملفوفا بالابيض، وكان وجهه جميلا، وفمه يرسم شقاوة طفل عذب لم يسعفه الزمن كي يستبدل اسنانه الصغيرة، او ينهي عامه الثامن او يتخرج من المدرسة الابتدائية، أو يهنأ بكرة القدم في انحاء المخيم الفقير، لقد هجم البرابرة على المنطقة واطلقوا نيران احقادهم، ولما انتهوا من توزيع هبات الموت على المكان، كان «حسين» احد الذين كان لهم مع الموت موعد. قلت وعيناي لا تغادران الوجهين والمشهد (حسين وأمه) كيف لهذه الأم ان تودع ابنها، وان تقبله وهي تعلم بأنها لن تسمع صوته عما قليل يضج في غرف المنزل، ولا قدميه تغادران في الصباح الى المدرسة، لن تسمع والده غاضبا منه لانه تأخر كثيرا او لانه كان يقذف البرابرة بالحجارة. قبلي حسين يا سيدتي، وادعي له بطيب الاقامة حتى تلقيه ذات عمر مختبأ في اقدار الخالق، قبليه فلن تريه ثانية ككل الامهات، لقد اختطفه رصاص (المتحضرين واصحاب الحرية والمدافعين عن السلام والامان والديمقراطية)، لا ترفعي شفتيك عن وجهه سريعا، فربما ستشتاقين لملمس هذا الخد عما قليل وربما ستفتحين ذراعيك في الصباح منتظرة ان يملأ حسين احضانك بجسده الصغير الدافيء، احتضنيه بعنف الامومة وعشقها الدافق، فسليه، هذا الحسين الذي لم يسعفوه واصحابه ان يغرف من نهر الحياة غرفة تبقيه مشتعلا كقنديل لا ينطفيء حتى يضيء قناديل الوطن في الايام الآتية! صورة حسين الشهيد الفلسطيني الطفل الذي دفع حياته كما دفع آخرون حياتهم ثمنا مقدما لصفقة اجتياح جديدة على غزة اخذ شارون ضوءها الاخضر من بوش منذ ايام، صورته غافيا في الصفحات الاولى وصورة والدته تختنق بدموعها وتلوم الدنيا وكل البشر، بينما يأكل الحزن والقهر كل ايامها، ومثل حسين ومثل والدته في فلسطين مئات بل الوف، تطالعنا صورهم فلا تزيدنا سوى شعور متفاقم بالخيبة والعجز. آه يا فلسطين، آه يا قدس يازهرة المدائن ، وآه يادروب الحياة القاسية ولعب السياسة القذرة، آه يادرب من مروا الى السماء ذات يوم راسمين قدر حسين واصحابه، الذين يمرون الى السماء كل يوم امام انظار العالم، بينما (يتسلى) العالم بقراءة اخبارهم ثم يلقى الجرائد في سلة المهملات! تحت الصورة تعليق، وبجوار الصورة خبر و (مانشيت) عريض، ولا يهم ما يقول المانشيت فليس فيه مفاجأة وشيء جديد، السلطة تغير كوادرها، عرفات يدين العمليات ضد (الابرياء الاسرائيليين، بوش اعطى شارون الضوء الاخضر، شارون يعد لاجتياح غزة .. الخ) لا شيء مهم او جديد فكل العناوين تؤدي نفس الغرض، وكل الطرق تقود الى تل ابيب، ووحده طريق حسين يقود الى الجنة!