هل يستطيع احد ان يجفف منابع الفكر لدينا، وهل يمتلك احد مفاتيح التغيير الجذري للمناهج وطرق التعليم التي تزدحم بها المدارس والمؤسسات العلمية والثقافية؟ سؤال يدور في اذهان معظم المسلمين هذه الايام والازمة الخانقة تزداد اشتعالا في كل لحظة وحين، وحمم الغضب القادمة من غرب الكرة الارضية مازالت ترسل الى ارضنا بسرعة تفوق سرعة الصوت في بعض الاحيان، بما يستدعي حقاً ان نرفع درجة الحذر والترقب، وان نحسب الف حساب لما هو قادم من الايام. فنحن لم نعد ندري من أي ناحية ستهب علينا الريح، ولا من اي جهة ستنقض علينا المحن؟ ذلك انه في حرب اميركا مع الارهاب تم اختراق الخصوصيات، وارتفعت حاسة الشم لدى الانف الاميركي، الى درجة افقدته الاحساس بحقيقة الاشياء، حيث صار يعتقد ان كل ما يأتي من جهة الشرق يعني اختراقاً حتمياً لأرضه وسمائه، وهو ما جعل الشعوب المسلمة تتوجس خوفاً من تنامي مشاعر العداء الى درجة تنذر بالشر والخطر الشديد. ان السياسة الحالية للولايات المتحدة تتجه الى اختراق الخصوصيات الثقافية، والمكونات الفكرية التي يتشكل من خلالها المجتمع الاسلامي ويكتسب من خلالها ملامحه وخصائصه الذاتية. وفق المنطق الدفاعي الذي تتبناه الدولة القوية فإن اميركا تبدو متجاوبة مع «ميكافيللي» وكتابه الامير الى درجة تجعل الرجل يطمئن الى ان هناك من فعل اكثر مما امر هذا المنظر السياسي الخطير الذي غاب عن مسرح الحياة منذ زمن طويل ولكن افكاره العدوانية ظلت تسرح وتمرح وتوجه عقول الساسة على نحو يعطي «ميكافيللي» وبامتياز جائزة التأثير القصوى على ذهنية اخطر السياسيين. وحيث ان الغاية تبرر الوسيلة وفق النظرة الميكافيللية فإنه لا بأس اذن ان تقحم اميركا نفسها في خصوصيات الشعوب لتقول أزيلوا هذه النصوص من مناهجكم فانها تثير مشاعر الكراهية ضدنا!! بل ربما تطاولت اعناق الاميركان ليطالبوا بالغاء نصوص من دساتير بعض الدول فيما يخص التشريعات والقوانين التي ترى اميركا ـ وفق منظورها الضيق وخوفها الهستيري ـ انها قد تسبب مصدر خوف لها. غير ان هذا التحرك الخاص باميركا لا يمثل نهاية القضية في هذا الموضوع الخطير، ولا يسدل الستار وكأنه حكم لا استئناف فيه او نقض او تبديل. ان المجتمعات الاسلامية هي التي تحدد سير هذه الاجندة الثقافية التي يطرحها الفكر العدائي الاميركي، والشعوب قادرة ـ ان شاءت ـ على المقاومة والامتناع عن تطبيق تلك الافكار العبثية التي لا تفهم من الاسلام الا ما يغذي رغبتها في إيجاد اعداء لها على مسرح الكرة الارضية، فحيث تتوفر الايديولوجية المخالفة للفكر العربي فثمة أنف اميركي يتوقع الاعداء ويريد ان يقضي عليهم. ومن بعيد يأتيني صوت مالك بن نبي رحمه الله، ذلك المفكر العملاق الذي تحدث عن اسباب وقوع العالم الاسلامي في مطلع القرن الماضي وفي السنوات التي تلته تحت حكم الاستعمار، وقال ان العالم الاسلامي كان مهيأ لتلقي ضربات الاستعمار الموجعة بعد ان انتشرت فيه امراض الجهل والتخلف والامية وشاعت اخلاق اجتماعية سلبية سهلت على المستعمر مهمته في استلاب الارض والموارد البشرية على حد سواء. الامر نفسه ينطبق على الهجوم الاميركي على ثقافتنا وهويتنا اليوم، فلو كانت لدينا قابلية للانسحاب امام هذه المطالب فاننا بضعفنا سوف نسهل مهمة اولئك المتطفلين، اما اذا كانت عناصر القوة الذاتية متوفرة وكنا على درجة من الوعي والحرص على منابع الفكر التي لدينا فإنه ما من قوة على الارض تستطيع ان تقتلعنا من الجذور طالما ان الجذور قوية. ان اخطر التحديات التي تواجهنا اليوم هي اثبات القدرة على المقاومة حيث ان الضعف يغري كل متطفل ومتربص بنا ان يثب علينا وان يملي شروطه التي يريد، وهو ما يجب ان نتحرك في اتجاه منع حدوثه دون ابطاء او تأخير. مريم عبدالله النعيمي m-alnaymi@maktoob.com