لم يكره الانسان صفة ذميمة كالحسد، التي لو أصابت شخصاً ما لأفقدته رحيق حياته، ولان الحسد صفة سلبية في نفس الحاسدين، فقد تجنب الناس معاشرة الذين يقال لهم «عينهم ساخنة» ما ان تقع على شيء الا واصابته بالعطب، وكذا الحال بالنسبة للناس، فما ان ينظر الحاسد الى موفور الصحة حتى يرديه طريح الفراش! والحسد لا يقتصر على جانب الصحة أو الاشياء العينية، فقد يُحسد المرء لعمله أو لصبره أو لموهبته أو لمكانته فتراه يفقد عمله ويعيل صبره وتنضب موهبته وتتراجع مكانته، والحاسد هو شخص بئست روحه وكسلت همته فراح يراقب الاخرين بعين ساخنة وكل غايته ان يتحول الأمر لينال ما نالوه ويحظى بما حظوا به، وأولى طرقه الى ذلك هي مراقبة الناس، فيرصد مشيتهم ويتنصت الى كلامهم ويفتش في متعلقاتهم ولا يوفر جهداً من ملاحقة اخبارهم. وفي الثقافة الشعبية نفرت الناس من الحسد فأوكلت امر الحاسد الى رب العباد حيث لا جدوى ولا شفاء له من علته فتراهم يكتبون على بعض ممتلكاتهم عبارات ذات دلالة لدرء الحسد، كتلك العبارة التي تكون على زجاج حافلة كبيرة تمخر عباب الشوارع في بعض العواصم «ياناظر لي نظرة حسد، أشكيك لواحد أحد» واذا كانت المساحة صغيرة ولا تساعد على تلك العبارة فيمكن استبدالها بكلمتين «الحسود لا يسود» ودلالتها ان الحسود لا يصبح سيداً لانه عبد مرضه النفسي، وفي القرآن الكريم «ومن شر حاسد اذا حسد» وهذا يعني اقراراً واضحاً للبشرية ان الحسد شر وهو نقيض الخير، لان الحاسد شرير بطبع المرض الذي فيه فلا يرى من الامور إلا جانبها المظلم ولا يحاكم القضايا إلا من خلال ما لديه ولدى الاخرين فإذا كان الاخر ماله اكثر حسده، واذا كان صحيح الجسم حسده، واذا كان عمله أفضل حسده، وهكذا حتى يعمّ شره وتفوح رائحة الخراب. وقديما كانت الناس تتقي الحاسدين وتحاول دفع حسدهم بشتى الطرق ولكل شعب اسلوبه في دفع الحسد فالهنود الحمر يلونون وجوههم حتى لا تحسد قوتهم، وبعض قبائل افريقيا يربطون رماحهم بفروة الاسد وبعض شعوب آسيا تعلق خضاراً على ابواب بيوتهم حتى لا يحسد طعامهم فيقل، واليونانيون كانوا يثبتون حدوة حصان على مداخل مساكنهم كيلا تصاب بأذى، والعرب كما الفرس كانوا يجدون في الخرز الازرق حماية من أعين الحساد فيعلقونه في رقاب اطفالهم وفي اعناق خيولهم وحتى يومنا الحاضر نجد الامهات يضعن عيناً زرقاء واضحة على ثياب مواليدهن او يلبسونهم سواراً من الخرز الازرق في معاصمهم حتى لا تصيبهم عين الحاسد بسوء او يطالهم اذى في حياتهم. واذا كانت الناس لا تجد تفسيراً للحسد فان ذلك مرده لطبيعة الفروقات الفردية او الطبقية بين الناس حيث ان الحاسد أقل شأناً ومالاً ومكانة من المحسود لذلك تجدهم يحصنون حياتهم بالآيات الكريمة ويكثرون من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم حينما يتحدثون عن ارزاقهم، وهكذا يفعل العشاق في حماية حبهم وبقاء مودتهم فيتهادون الكفوف الزرقاء التي تتوسطها عين حارسة او يرددون الاغنية الشعبية «كيدا العزال انا من يومي.. ايوه آه» والعزول في العرف الشعبي هو من يراقب العشاق حسداً، فيمضي حياته غماً ونكداً.. ويموت كمداً. حماكم الله من كل حسود. E.mail:H-S-D@maktoob.com