حرية مانديلا كانت سببا مباشرا لحرية شعبه الذي قضى أربعة قرون تحت ظلم التمييز العنصري بكل ما فيه من محن انسانية قاسية لم يقترب منها عالم الحيوان في يوم ما. الحرية ثمن دفعه مانديلا من زهرة شبابه ثلاثة عقود متوالية بين القضبان. اثمرت ما يساوي تاريخ الامم في اربعمائة عام لا يحتاج إلى مجلدات لترويه فشخص واحد بأمة مثل مانديلا سيظل اسطورة للبشرية في القرون المقبلة. ولقد اثبت هذا البطل بجدارة انه لم يسع لتحقيق طموح ذاتي قد يتخلى عن تحقيقه عامة البشر، فللحكم شهوة تفوق كل الشهوات وللكرسي رائحة فواحة لتنفيذ كل المكائد والحيل والمؤامرات الدنيئة للحفاظ عليه. الثمن الذي دفعه مانديلا من اجل حرية شعبه من عمره هو الذي جعل العالم المساند للعنصرية في جنوب افريقيا قبل العالم الآخر، يقف اجلالا وتعظيما لهذا الرمز في فعل بهيج وضع على رأسه تاج الفخار بهذا الانجاز الذي لم يسبق له مثيل في التاريخ الانساني منذ قرون ومع ذلك الامكان يسبق المستحيل في ترتيب اوليات العظماء من امثال مانديلا كنوعية بدلت سواد التاريخ إلى بياض الانسانية الصافية. ومازال الرجل من المكرمين خاصة بعد قراره التاريخي ايضا لمغادرة ذلك الكرسي المغري بنفس راضية بعيدة عن الدسائس من اجل البقاء إلى اقصى العمر. مانديلا الانسان المجرد من بهرجة الحكم الذي جاء اليه راغما ولم يسع اليه يوما واحدا وهو يمثل في هذا الزمن الصعب اسطورة النضال الافريقي ضد التمييز العنصري يتسلم من الهولندي كوك جائزة فرانكلين روزفلت للحرية التي منحت له تقديرا لمقاومته الصلبة للنظام العنصري في بلاده ونضاله من اجل اقرار حق المساواة الذي كلفه نحو ثلاثة عقود من عمره قبل ان ينتصر هو لشعبه في نهاية المطاف. فالحر يأبى المهانة ويرفض اللقمة الذليلة في فمه ويرمى بالماء ولا يبالي اذا كانت النهاية مزيداً من الحريات وكسراً للقيود والاغلال في غبار السنين الخوالي. عالم جميل يمضي بنا نحو أنسنة المشاعر وخاصة عندما يكون الزعماء الاحرار هم الوقود الذي يشعل قلوب الآخرين للمضي في هذا الطريق الذي يتلظى بناره كل من يرفع صوته مناديا بأن الحرية ليست سلعة تجارية رخيصة وغير قابلة للتنزيلات ولا للتصفيات فكل ما دونها هين اذا كان الهدف هو ما اعطاه مانديلا لشعبه عندما رفض ان يقوم السود بعد الحرية للانتقام من البيض الذين اذاقوهم مر العذاب الا ان السماحة كانت اكبر في قلوبهم وسعة نفوسهم احتوت تلك العنصرية القاسية والعالية في موجاتها. التقى جزء من افريقيا بالاجزاء الكبرى في العالم المتقدم لمسار الحرية وبقت عوالم العرب في افريقيا وغيرها من قارات الدنيا في اقصى حالات الطغيان بكل الوان الطيف السياسي فبرامج الحكم في ذلك العالم لم تساهم بعد في تثبيت اركان الحرية رغم تضحيات بعض الشعوب من اجلها فبعض كراسي الحكم خانت تلك الاماني التي دغدغت مشاعر المتحمسين في لحظات الانتصار على الذات. ومع ذلك ليس في عالمنا العربي والاسلامي رجل عاش حياة مانديلا يناطح الجبل حتى يذله ويخرج من خلال احجاره الصلدة اسمى نسمات الحرية وهذا ما وقع في جنوب افريقيا، اما توقعاتنا في استمرار عدوى ذلك باتجاه العالم العربي فلم تزل في الخطوة الاولى وكل الخطوات الاخرى تدور في هذا الفلك ولم تتعد حدود الآمال والاماني والاقوال الشاردة عن دنيا الافعال التي تقارب من دنيا الحرية الغائبة عن مجريات واقعنا العربي في اجزاء عوالمنا المتعددة بدون جائزة.