تزدهر مع مواسم الجوائز صناعة الشائعات وتروج بضاعة النميمة، خصوصاً تلك التي من نوع النميمة الثقافية السائدة في اوساط المهمشين ومطاريد المؤسسات الرسمية، سواء كانوا اصحاب مواقف وحاملي افكار ورسالات، ام من الادعياء محترفي اختلاق الادوار. وآخر مواسم الجوائز التي حملت معها عواصف ملغزة تهدد باقتلاع قيم المصداقية، وتقلل من قيمة جائزة يفترض ان تكون محل تقدير واجماع، ما حدث في جوائز الثقافة المصرية من مفارقات تستعصي على الفهم، وتسرق الفرح، وتقيم محله سرادق لحل الالغاز وتبديد الشكوك. واول هذه الالغاز استبعاد اسم الدكتور شوقي ضيف رائد الدراسات العربية واستاذ اجيال من كبار مبدعي ومثقفي الامة العربية ورئيس مجمع اللغة العربية من قائمة الفائزين بجوائز الدولة التقديرية للمرة الثانية على التوالي، لكن هذه المرة لصالح ناقد اكاديمي له مكانته هو الدكتور عبدالقادر القط. ففي العام الماضي استبعد شوقي ضيف لصالح الكاتب الصحفي أنيس منصور، رغم عدم وجود اي مجال للمقارنة، وكأن لجان الجائزة لديها من الاسباب والمبررات ما هو محجوب عن الرأي العام معرفته، وهي ايا كانت تضعف من مصداقية الجائزة، كون شوقي ضيف له انتاجه الادبي، الذي ينهل منه الدارسون والكتاب والادباء وترتفع به هاماتهم، فضلاً عن تتلمذ اسماء بارزة على يديه، منهم على سبيل المثال الدكتور ناصر الدين الاسد، وجابر عصفور. وفوق كل ذلك، قيامه بدور الحارس الاول للغتنا الجميلة وآدابها في مرحلة تتعدد فيها التحديات الثقافية. اما المثال الصارخ على تراجع المصداقية دون الخوض في نزاهة احد، لكن من باب القراءة لما جرى، هو استبعاد اسم الدكتور اسماعيل صبري عبدالله عالم الاقتصاد السياسي وصاحب المكانة الدولية، واحد مسئولي جامعة الامم المتحدة وأول من نظّر عربياً لنظام اقتصادي عالمي جديد، وصاحب المؤلفات المهمة، والمنخرط منذ شبابه في العمل العام، ومزج نشاطه العلمي بنضاله الوطني، ولم يمنعه تولي الوزارة من الانحياز لمبادئه والعودة إلى الشارع مدافعاً عن حقوق الغالبية الصامتة. المثير للدهشة ان لجنة الجوائز لم تدفع عن نفسها الشبهة والحرج، ومنحت الجائزة في مجال العلوم الاجتماعية، وهي جائزة مبارك للدكتور عاطف صدقي، لمجرد انه تولى رئاسة الوزراء، وهو فعلاً يستحق جائزة ربما في الاداء الحكومي لكن ليس في مجال العلوم الاجتماعية، وهم بذلك اوقعوه في حرج كان في غنى عنه. ولأن الشيء بالشيء يذكر، سرق ادعياء الفرح من بيل جيتس المصري او نابغة قلين بمحافظة كفر الشيخ الطالب محمد علي عثمان، وقلبوا مهرجان الاحتفال بنبوغه في برمجيات «الكمبيوتر» الحاسب الآلي إلى سرادق احزان وشكوك والغاز. وبدأت القصة بتلقي الطالب القروي النابغة نبأ فوزه بالمركز الاول في المسابقة الدولية لتصميم المواقع على الانترنت، ورسالة من بيل جيتس صاحب شركة مايكروسوفت العملاقة يشيد بنبوغه، ويعلن تبنيه علميا، وتأمين مصروفات اكمال دراسته في الولايات المتحدة، وسرعان ما تحول الطالب المجتهد إلى حديث الاعلام المصري وتسابق كل المسئولين في محافظته للقفز على قصة نجاحه واقامة المهرجانات، قبل ان تخيم الشكوك وتتكاثر سحب الالغاز وتسرق الفرح من نابغة البرمجيات، بنشر تصريح من وكيل مايكروسوفت بالقاهرة يكذب القصة من اساسها. وحتى لا يدفع الطالب النابغة الذي شهد له متخصصون بالبراعة في تصميم المواقع ثمناً لذنب لم يقترفه، ويصبح مطارداً في نظر مجتمعه المحلي، وربما يفقد طموحه، ونخسر مشروع نابغة فعلاً، أقترح على المسئولين عن مدينة دبي للانترنت استضافة هذا الطالب للتعرف على طموحاته والبحث عن برنامج محدد لصقل موهبته، بدلا من الضياع في وهم بيل جيتس الذي خذله.