كانت المرة الأولى والأخيرة في حياتي التي عرفني فيها أحد بنفسه قائلا:أ نا ولا مؤاخذة حرامي! وحملقت فيه. ولم أصدق أنني سمعت ما سمعت. لم يكن يقدمها بخجل، وأيضا والحق يقال لم يكن يقولها بفخر. كان يقولها بحياد كامل. وكان يجمعنا حبس قسم الدقي، وربما تصور أنني (زميل) له وللآخرين فتحدث بصراحة، وكنت الوحيد كما أذكر الذي أتوا به من إحدى مظاهرات الجامعة. فلقد كانوا يوزعون من يمسكونهم على الأقسام حتى يحسوا بالوحدة والخوف، ولا يعودون إلى التظاهر مرة أخرى هذا ما قاله لي أحد المحامين. ـ الطالب يكون وسط الزحام فتشتعل شجاعته. لذلك يلقون به بعيدا عن زملائه فيكتشف جبنه! نظرية على أي حال!! وأردت أن أساير صاحبنا (الحرامي) ربما لأؤكد له انني لا استنكر مهنته فقلت له: نشال يعني؟! لو كنت اعرف ما سيحدث ما قلتها، فلقد انفجر صاحبنا غاضبا، واعتبر ما قلته إهانة لا تغتفر. ولولا أن أحدهم الذي كانت تبدو عليه الحكمة منذ البداية تدخل وقال لصاحبنا الحرامي: لا مؤاخذة يا أبو السيد (الأفندي) جاهل. وبالطبع كنت أنا(الأفندي) الجاهل. ولولا تدخل (الحكيم) لكانت الأمور سارت في مجرى آخر. قال صاحبنا (الحرامي) بعد أن هدأ: - النشال يا سيدنا الأفندي شخص جبان يضع يده في جيبك خلسة. وبالطبع لا يستطيع أن يقترب إلا من رجل غلبان. وقد يكون موظفا وضع مرتبه الصغير في محفظته. يأتي النشال ويسرق مرتب الشهر. خسيس! أما أنا فأدخل على البيت بقلب كالحديد رأسي على كفي، فربما كان صاحب البيت موجودا، وربما كان يملك سلاحا. ولكنني لا أهاب شيئا أدور في المكان بحثا عما غلا ثمنه وخف وزنه. فإذا اكتفيت سرت إلى الخارج. بتؤدة علق الحكيم على حديث صاحبنا (الحرامي): - لو كان في بلد آخر لاعتبروه من الأبطال! وأيا كان ما حدث في هذا اليوم في (تخشيبة) قسم الدقي إلا انه كان يوما فريدا في حياتي فلأول مرة أسمع أحدهم يصف نفسه بأنه (حرامي). وشغلني قبلها وبعدها الانحراف فلقد كنت اعتقد ان الناس اما أن يرتدوا الثياب البيضاء أو السوداء. لأجد أنه من الصعوبة أن تميز بين الأبيض والأسود. ومثل غيري مرت حولي حالات مثيرة من الانحرافات: ضابط الشرطة المرتشي وكان احد زملاء والدي. واعتبروا الأمر مأساة للجميع، الآنسة الجميلة التي تعرفت عليها وأنا في صدر الشباب، وكان أحد المصورين يضع صورتها في مدخل محله للاعلان عن مهارته. وبعد سنوات دبرت لقتل زوجها، وحكم عليها غيابيا بالاعدام، وهربت ومازالت هاربة! وصاحبنا الذي كان يتمسح بنا لنساعده في نشر موضوع في مجلة أو صحيفة أو حتى في الحصول على اعلان في شركة، ثم تحول في يوم وليلة إلى بطل أول وأشهر قضية فساد في فترة الانفتاح. وقصص كثيرة حدثت على مقربة، وكانت بعض هذه القصص تشغلني. ونادرا ما كانت تشغلني قصة بعيدة عني. لكنني في الأسبوع الماضي عشت قصة (الباشا) المستشار. لقد رأيته مرة واحدة في حياتي. وكان ذلك في احتفال جمعية فناني الجيزة. وملت إلى طاولة لاتحدث إلى صديق يجلس اليها، وعرفوني به: سيادة المحافظ! ولولا أنهم فعلوا ما عرفته.. وبدا لي رجلا لطيفا أقرب إلى نجوم السينما. أثر في أنه قفز واقفا لكن الأمر زاد عن حده عندما رفض الجلوس وأنا واقف ولم أكن أنوي الجلوس، فليس هذا مكاني. ورجوته أن يجلس لكنه صمم على الوقوف في حياء غريب، مما جعلني انسحب مبكرا. كان هناك هجوم عليه في بعض الصحف واتهام بالفساد وكان قبل هذا اللقاء بفترة مرشحا لرئاسة أحد النوادي، وقاد بعض الاعضاء الهجوم عليه بدعوى الفساد. واحد هؤلاء الأعضاء حكى لي أشياء عنه. ولست ساذجا إلى حد أن أدبه معي جعلني اتحفظ حول الاتهامات التي وجهت اليه لكنني رأيت هذه الاتهامات تتهاوى. وكنت أرى ان معرفته بالقانون تحمي صاحبها من الفساد. كنت من جيل يحترم القانون وأذكر احد زملائنا في المدرسة وذهب معنا إلى الجامعة حيث دخل كلية الحقوق وتخرجنا، فدخل سلك النيابة. ومنذ ذلك الحين تغير تماما أصبح من الصعب ان يجلس في مكان عام من التي كنا نجلس فيها مثل المقاهي. وابتعد عن الزيارات فلا يزورنا ولا نزوره، حتى انقطعت علاقته بالجميع. كان يرى رجل القضاء راهبا. وانه يعمل عملا ساميا فعليه أن يضحي من اجله. ولقد وصل صاحبنا هذا إلى منصب من أعلى المناصب القضائية هو المدعي الاشتراكي وهو من المناصب التي اضافتها فترة الرئيس السادات. لهذا وغيره كنت محايدا أو ربما متعاطفا مع المستشار المحافظ كنت أعرف ان الزمن تغير وان القداسة لم تعد مطلقة بالنسبة لرجال القضاء. وانه في سجن القناطر عنبر كامل للقضاة. وكنت قريبا من قضية اثارت ضجة في الاعلام. وذلك أن أحد المذيعين حصل على اعتراف أحد القضاة بأنه يعمل في توزيع المخدرات، وبث هذا اللقاء في برنامجه. وانزعجت وزارة العدل من الأمر واستدعت المذيعة التي قدمت البرنامج للتحقيق ثم المذيع الذي اجرى اللقاء. وعندئذ تصدى صاحب البرنامج وهو اذاعي كبير طالبا ترك مرؤسيه، فتحفظوا عليه هو نفسه. أحداث كثيرة غيرت من الصورة. واستمرت الشائعات فترة طويلة عن سيادة المحافظ. وقلت لنفسي ان هذه الشائعات لن تصل إلى شيء. فاما أن الرجل بريء وهذا ما أظنه، واما أنه بارع قانوني في الهروب من الأدلة. ولكن أتى الوقت الذي بدأ فيه التحقيق مع المحافظ. وكان ذلك بمناسبة التحقيق مع السكرتير، وهو ليس سكرتير المحافظ بل سكرتير الوزير! وإذا كان لابد لكل عطيل من ياجو، ولكل حواء من حية، فلقد كان السكرتير هو الذي يلعب هذا الدور. لقد قرأت التحقيقات التي أجرتها النيابة مع المحافظ والتي نشرتها جريدة (العربي) منذ عام. ثم تابعت بعدها ما حدث. رأيت المحافظ رجلا كأي رجل، هفت نفسه إلى متع الدنيا، فيسرها له السكرتير. والخطأ التراجيدي في شخصية المحافظ انه لم يسأل نفسه ماذا يفعل، رغم أنه رجل قانون. فلو كان رجلا شريفا لطرد السكرتير، وعاش حياته مستمتعا بالشرف. ولو أنه كان في الناحية الأخرى لوجب عليه أن يقول لنفسه: أنا حرامي! مثل صاحبنا الذي قابلته في حبس قسم الدقي، وكان واضحا مع نفسه ومعي، بل ودافع عن مهنته، واستنكر أن أتهمه بأنه مجرد نشال! لو أن السيد المحافظ قرر أن يكون لصا، لحصل على أضعاف أضعاف ماحصل عليه، ولاستطاع بمعرفته بالقانون وهي على أعلى مستوى أن يهرب من الأدلة - وخرج نظيفا. ولقد ذكرني مانشر بأن المحافظ أيام أن كان قاضيا حكم في عدة قضايا من أشهر القضايا. قضية الفنية العسكرية وكان صالح سراية أراد قلب نظام الحكم بالقوة في عام 1974 وهي أجرأ محاولة عسكرية قبل اغتيال الرئيس السادات. ثم قضية شكري مصطفى في عام 1977 وهو الذي اختطف الشيخ الذهبي وزير الأوقاف وقام بقتله ومن المعروف ان تاريخ الارهاب في مصر بدأ من شكري مصطفى رغم وجود أصول أسبق. وقضية الريان وتوظيف الأموال 1986 رجل عرف مثل هذه القضايا وحكم فيها كيف يمد يده ليحصل على عشرة آلاف جنيه أو عشرين ألف ليؤدي بها العمرة! ألم يسأل نفسه وهو رجل يعرف في هذه الأمور أكثر منا اذا كان هذا حلالا أم حراما؟! وأظن أن الرجل كان مخدرا. كان مخدرا بزمن لا يرى الفساد فسادا. وانه انزلق بفعل (ياجو) وربما بفعل آخرين. ليذهب في رحلة تنتهي بالسجن سبعة أعوام. ويقف مذهولا. انه لا يصدق ونحن أيضا لا نصدق. وأذكر الرجل الذي قابلته منذ سنوات: رقيقا، انيقا، وسيما حتى يلمس قلبك. سبحان الله كم تخفي الرقة والأناقة والوسامة؟!