يمكن القول بأن أميركا تعيش الآن جوا من «المكارثية الجديدة» تلك الموجة من الشعور بالخوف واستباق الخطر وتوقع تهديدات مبهمة غامضة وجسيمة الخطر والخطورة.. بما يمكن أن يوصل الى احساس بالذعر الجمعي أو القومي الشامل إن شئت التعبير. وإذا كان كثير من المحللين السياسيين والمؤرخين بالولايات المتحدة يعدون أحداث ودمار الحادي عشر من سبتمبر الماضي بوصفها الكارثة القومية رقم 2 على أساس أن سبقتها ـ كما هو معروف في الزمن المعاصر ـ كارثة بيرل هاربور الذي تحطم فيها أسطول أميركا على يد المهاجمين اليابانيين يوم 7 ديسمبر من عام 1941 فإن كارثة سبتمبر 2001 وما أسفرت عنه من نتائج لا يمكن مقارنتها في رأينا إلا بموجة المكارثية الأولى التي سبق وشهدتها وعايشتها الحياة الأميركية في النصف الأول من خمسينيات القرن العشرين. موجة المكارثية والمعروف أن الموجة الأولى السالفة الذكر ترتبط باسم سياسي ظل محل مقت وربما ازدراء شديدين في التاريخ الأميركي المعاصر هو السيناتور مكارثي واسمه بالكامل جوزيف رايموند مكارثي الذي عاش بين سنتي 1908 و1957 وكان قد تم انتخابه نائبا عن ولاية وسكونسن في الغرب الأوسط من الولايات المتحدة عام 1946 وكان يمكن لعضو الكونغرس الشاب أن يظل مجرد نائب عن إحدى ولايات الأرياف لولا أن ظروف دخوله الى برلمان البلاد واكبت ملابسات إنتهاء الحرب العالمية الثانية من جهة وصعود نجم الاتحاد السوفييتي واشتداد ساعد أفكار ودعوات اليسار في أوروبا وأميركا فضلا عن بدء اندلاع حرب المنافسة الضارية الباردة بين واشنطن وموسكو من جهة أخرى. وما زال اسم مكارثي وتيار المكارثية يدلان في معاجم السياسة بل وفي قواميس اللغة والمصطلحات الأميركية على أبغض المعاني التي تتنافى مع قيم حرية التعبير ومن ثم فهي تتماشى مع ما يمكن وصفه بأنه محاكم التفتيش المعاصرة في إحالة تاريخية ماضوية، الى نظيرتها أو سابقتها من المجالس الحكمية التي كانوا ينصبونها في أوروبا خلال القرون الوسطى وكان قد أنشأها في عام 1233 للميلاد، على وجه التحديد، البابا غريغوري التاسع لمحاكمة من كانوا يعدونهم ـ حسب مقاييسهم وقتها ـ هرطقة بمعنى الزندقة أو بالأدق الخروج على طاعة مؤسسة الكنيسة الكاثوليكية ولاسيما في فرنسا وأسبانيا والمانيا.. ولم تتورع محاكم تفتيش العصور الوسطى اللجوء الى التعذيب بل وتكريس التعذيب كوسيلة للحصول على اعترافات المتهمين بالهرطقة أو التجديف (التطاول) بحق المؤسسة الكنسية ومن يتربعون على عروش نظام التسلسل الهرمي (الهيراركي) الذي كان يحكمها ويتحكم من ثم في الجموع من أبناء «الشعب».. وبلغ الأمر الى تقنين استخدام التعذيب برخصة صادرة في عام 1252 للميلاد. عن محاكم التفتيش بديهي أن الطبعة الجديدة ـ المعاصرة في القرن العشرين ـ من محاكم التفتيش ـ وهي موجة المكارثية التي ألمحنا اليها ـ لم تكن تستخدم التعذيب ـ البدني حتى لا ننسى ـ أداة لقهر المتهمين أو حمل المشبوهين على الاعتراف فما كان يمكن حسب أعراف الخمسينيات من القرن الماضي، وفي بلد متقدم كان يطمح وما زال يطمح الى قيادة العالم وتسيد العصر، مثل الولايات المتحدة الأميركية، ما كان يمكن أن يجوز أن يربط متهم أو متهمة أو مشتبه به أو بها في عجلة التعذيب الشهيرة تدور بجسده أو جسدها على تروس مسنونة مصنوعة من حديد محمي في لهيب النيران. مع ذلك فقد كان التعذيب من نوع مستحدث تماما.. وكان من نوع بالغ الخطورة شديد الوطأة لأنه كان تعذيبا نفسانيا.. وكان يستهدف بالذات فئة بعينها من فئات المجتمع الأميركي، تلك هي فئة المفكرين والفنانين والمبدعين والمشتغلين بقضايا العمل العام والمعنيين بهموم المجتمع وشئون الفكر والفن والابداع. مطاردة المبدعين وأدهى وأنكى ما في الأمر إن كانت الطغمة التي تربع على رأسها مكارثي تبدأ بالتشكيك في وطنية هذا الفنان أو في ولاء هذا المفكر.. كاتبا كان أو أكاديميا أو فيلسوفا بالنسبة لوطنه الأميركي ـ وكان التشكيك يتسع مداه وترتفع حرارته لتصل الى اتهام بأن «المذكور» يمارس ما اصطلح مكارثي ومعاونوه على وصفه بأنه «أنشطة لا أميركية» كناية عن النشاط المعادي لمصالح الوطن بل والخائن لأقداره وتاريخه وأبنائه ومستقبله في أقطار أخرى كان المصطلح هو الأنشطة والمبادئ الهّدامة وقد استخدمه على سبيل المثال اسماعيل صدقي باشا أحد رؤساء الوزارات في مصر ـ الأربعينيات ـ لاصدار قانون شهير يحمل هذا العنوان ويقصد الى تأثيم وتجريم أي نشاط بالقول أو الفعل معارض للحكومة أو النظام الملكي الذي كان قائما بدعوى أنه هدام وشيوعي ومخرب.. الخ). شاب اسمه نيكسون وحين جاء عام 1950 تسامع الناس في أميركا باسم جوزيف مكارثي البرلماني الشاب (كان عمره 42 سنة) المفعم وطنية وحمية وحماسة واخلاصا ورغبة في تطهير «الوطن الأميركي» من جواسيس الشيوعية وعملائها وأذنابها المندسين بالذات بين صفوف مؤسسات الفكر والفن والدرس والبحث والابتكار والابداع والدبلوماسية بالولايات المتحدة (يلفت النظر أن مكارثي استخدم معاونا كان شابا بدوره وقتها وقد ارتبط اسم هذا المعاون السوبر ـ نشيط بكل ما ارتبط بالحقبة المكارثية من اضطهاد للمفكرين وملاحقة للمثقفين ومطاردة للمبدعين والفنانين وكان اسمه ـ بالمناسبة ـ ريتشارد نيكسون وقد أصبح كما تعلم نائبا للرئيس أيزنهاور ثم رئيسا للولايات المتحدة لفترة ولاية كاملة ثم لفترة ولاية مجددة أخرى لم يقطعها سوى تورطه ـ كما تعلم أيضا ـ في فضيحة التستر على انحراف مساعديه في قضية ووتر جيت في منتصف السبعينيات). اشاعة الذعر الجماعي المهم أن موجة المكارثية الأولى أشاعت ذعرا جماعيا في أوصال البنية الاجتماعية في أميركا وحكمت الكثيرين بل ودفعت بعض هؤلاء المبدعين الى.. الانتحار فيما ألحقت بالبعض الآخر نوعا من الاغتيال.. الذاتي أو فلنسمه الانتحار المعنوي وخاصة بين صفوف الذين خارت قواهم وضعفت ارادة صمودهم وانهارت امكانية تحملهم آزاء ضغوط مكارثي ومعاونيه فكان ان «اعترفوا» على رفاق طريقهم وأدلوا بمعلومات حقيقية ـ أو بخلاف ذلك ـ كانت كافية للتشهير بزملائهم فيما كانت كافية أيضا بادانة أصحاب الاعترافات الذين تحولوا في نظر الناس من فنانين ومبدعين الى «مرشدين» و«مخبري شرطة» جعلوا قصارى همهم انقاذ أنفسهم ونيل الرضا السامي من جانب المكارثية واتباعها ولو على حساب الأصدقاء والزملاء ورفاق الطريق. وحين وقف إيليا كازان منذ سنوات قلائل وكان في التسعين من عمره يتلقى جائزة أوسكار تقديرية عن حياة سينمائية حافلة دامت نحوا من ثلاثة أرباع القرن ساد قاعة الأوسكار في هوليوود جو من الوجوم والمقاطعة وصفير الاحتجاج والازدراء فلم ينس المخضرمون في صناعة السينما الأميركية ولو بعد انقضاء عقود عديدة من الزمن كيف كان كازان واحدا من أولئك... المخبرين). انكسار موجة المكارثية مع هذا كله فقد كان لابد وأن تتكسر موجة المكارثية التي عاناها المجتمع الأميركي في أوائل الخمسينيات.. ونستطيع القول بأنها تكسرت على صخرة ما قد نصفه بأنه القدرات الحيوية لذلك المجتمع.. بمعنى قدرته على ادراك اخطائه وتوصيف سلبياته وتشخيص أدوائه والاعتراف بهذا كله ومن ثم محاولة تجديد نفسه واستشراف آفاق أخرى بعيدا عن تلك الأدواء والسلبيات. هكذا جاء منتصف الخمسينيات ليشهد عقد مجلس الشيوخ الأميركي سلسلة من جلسات الاستماع التي تصادف عقدها مع بروز التليفزيون كأداة للاعلام الجماهيري.. وبدأت هذه الجلسات البرلمانية المشهودة بالسيناتور مكارثي نجما ومحورا للاهتمام ولكنها انتهت بادانته شخصيا وتوجيه اللوم الرسمي اليه من جانب مجلس الشيوخ وكان في ذلك نهايته كبرلماني وسياسي ومن ثم تقاعده في عزلة موحشة ورفض سياسي وأخلاقي الى أن رحل منبوذا عن الدنيا في عام 1957 ليخلف تركة من المصطلحات والمفاهيم التي دارت حول أساليبه في بحث «الأنشطة اللا أميركية» إياها وترتبط هذه الأساليب بسلوكيات مرفوضة بدورها منها مثلا: ادراج أسماء الناس في قوائم سوداء لمجرد الشك أو لمحض الاشتباه ومنها ما يعرف في الثقافة الأميركية باسم «مطاردات الساحرات» أي ملاحقة الناس.. المواطنين في كل حدب وزاوية ونشر الشائعات المغرضة عنهم وعن سلوكياتهم ومحاولة هتك خصوصياتهم وتفضيح أسرارهم واتباع أساليب ملتوية من كنايات وتلميحات تنطوي على اتهامات لهم في وطنيتهم ونزاهتهم ومن أجل ماضيهم بغير بينة أو قرينة أو دليل.. الخ. وبعد 50 سنة مع هذا كله، فها هو نصف قرن ينقضي بعده وعادت من جديد موجة مكارثية، عاتية هذه المرة.. لتسود الحياة الأميركية وترفع الشعار الذي بات يتردد في كل زاوية وركن من أركان مجتمع الولايات المتحدة وهو: محاربة الارهاب. وكما ازدهرت منذ نصف قرن دعوات مكارثي التي وجهها الى الشعب الأميركي من أجل محاربة الخطر الأحمر كما كانوا يسمونه ويعنون به الأفكار الشيوعية والطروحات الماركسية، فها هي تزدهر في أيامنا دعوات الادارة الأميركية الحالية (وبخاصة من جانب اثنين من أكبر أقطابها وهما رامسفيلد وزير الحرب وأشكروفت وزير العدل) من أجل محاربة الارهاب اللذين يعمدان الى تضييق نطاقه وحصر تعريفاته لكي تصدق بتحديد أو بما يشبه التحديد على تشكيلات من البشر ينتمون الى الشرق الأوسط أو الى أمة العرب أو الى ديانة الاسلام.. وفي هذا ـ كما هو بديهي خلط شديد وخطير بين الأوراق ـ بين من يثبت بالدليل القاطع والعملي والحاسم أنهم ارهابيون ومن ثم ينبغي محاسبتهم ومحاكمتهم ومعاقبتهم أيا كانت الأمة أو الديانة أو الثقافة التي ينتمون اليها وبين من يجدون أنفسهم موضعا لشبهة أو ضحية لشكوك لمجرد أنهم شرق أوسطيون أو أنهم عرب أو أنهم مسلمون يؤمنون بديانة تدعو الى أخوة البشر أجمعين وتأمر الانسان المؤمن بعمارة الكون بعد أن سخر له خالقه موارد الكون وامكاناته وزوده بملكة العقل والرشد والتمييز لكي يفشي السلام في الأرض ولكي يقوم الناس بالقسط ويعتدل ميزان العدل بين خلق الله. ونحسب أن حديث الخطر والتهديد بوقوعه ولو على سبيل التوقع أو الاحتمال أمر يستجيب كما يذهب بعض الباحثين الى جوانب بعينها في الشخصية أو في الثقافة الأميركية أو على نحو ما يصفه البروفيسور روبرت آلان غولدبرغ بعبارة تقول « ثقافة المؤامرة في أميركا الحديثة». إن هذه العبارة تشكل في واقع الأمر العنوان الفرعي لأحدث الكتب التي أصدرها البروفيسور غولدبرغ وهو استاذ التاريخ في جامعة يوتاه بالولايات المتحدة فيما يحمل كتابه عنوانا رئيسيا يقول بدوره ما يلي: الأعداء بين صفوفنا وهذا العنوان مستقى حرفيا من عنوان التقرير الذي سبق وأعده وأصدره إدجار هوفر المدير العتيد والشهير لمكتب المباحث الفيدرالي عن «صيادي القرامزة» ويقصد بهم رجال المباحث الذين أطلقهم هوفر نفسه بين صفوف الشعب الأميركي في الخمسينيات يفتشون في خصوصيات المواطنين ويسوقون الاتهامات ويكشفون الأسرار تحت شعار مكافحة التسلل أو الاختراق الشيوعي للحياة الأميركية. محاور الترويع وعندنا أن كل هذا كان يمثل محورا من محاور سياسة التخويف أو الترويع التي تلجأ اليها بين حين وحين النخب الحاكمة في هذا البلد أو ذاك لزوم تطويع المحكومين أو تدجينهم إن شئت بما يسلي معه قيادهم وتخفف في ظله أصوات معارضتهم وتلك آلية معهودة تجمع بين التهديد بعدو من خارج الحدود فما بالك بالتخويف من عدو كامن بين الصفوف متربص في دواخل شئون حياتنا في صميم حياتنا! وفي الكتاب المذكور يوضح أستاذ التاريخ الأميركي كيف تستجيب ثقافة التآمر للطرح الذي جُبلت عليه الثقافة الأميركية نحو التعاطي مع الأسرار وتصّور أن ثمة عناصر تخطط بصورة خفية لتعطيل وربما لتدمير مصالح الناس وربما لتدمير حياتهم.. وفيما تعود كلمة مؤامرة في اللغة الانجليزية الى اشتقاق مأخوذ في الأصل اللاتيني من معنى «التنفس المشترك» وهو معنى بديهي لأن المتآمرين اذا ما خلوا الى شياطينهم واذا ما اجتمعوا بليل وتحت جنح السرية ـ فهم إنما يتنفسون معا ـ فإن ثقافة التآمر لها وجه آخر هو فكر التخويف الدائم والاستجابة الى التخويف أو التلويح الدائم بدوره لخطر مستتر وغامض وغير محدد قد تحمله شائعة وقد تنذر به حادثة وهو في كل حال قابل لضروب التفسير.. يستوي في ذلك مثلا مؤامرة اغتيال الرئيس الأسبق كينيدي في خريف عام 1963 الذي تفرق دمه كما يقولون بين قبائل وبطون شتى ـ دون أن يحل لغزه ربما الى الأبد ـ ما بين عصابات المافيا الى العناصر الكوبية الى الاستخبارات الأميركية حتى ليصل أمر التفسيرات التآمرية الى حد ارجاع هذا الاغتيال الى.. كائنات جاءت من.. الفضاء الخارجي على متن أطباق طائرة.. وليس لنا أن نعجب من مثل هذا الضرب من التفكير أو التفسير في مجتمع سوبر متقدم علميا وتكنولوجيا ففي أميركا هناك من هو على استعداد لأن يقسم بكل الايمان المغلظة أنه رأى وشاهد وعاين ـ إن لم يكن قد عايش ـ وصول كائنات غريبة من أجواء الكواكب الأخرى. تحذير من سرطان المؤامرة لا عجب والحال هذه أن يرفع البروفيسور غولدبرغ في كتابه المذكور أصبع الانذار محذرا من انتشار هذه النزعة الى التفسير التآمري أو الى اعتناق ما وصفه بأنه ثقافة المؤامرة وأخطر ما في الأمر ـ في رأي أستاذ التاريخ ـ أن المسألة لم تعد تقتصر على أوساط الناس.. ولا على العجائز في خريف العمر ولا على أشباه الأميين في مجتمع أميركا المعاصر.. لقد وصلت الى عتبات بعض المؤسسات المهمة في منظومة الحكم بأميركا لمؤسسات الجوهرية كما يصفها الناقد سام روبرتس في عرضه للكتاب الذي ألمحنا اليه.. وفي هذا الاطار بالذات ثقافة المؤامرة تنتشر كالسرطان في البنية الأميركية كما يضيف الأستاذ روبرتس وفي هذا خطر محدق وجسيم.. ليس على أميركا بل وربما بالنسبة للعالم بأسره. ـ كاتب سياسي من مصر