وقف أحد مدراء شركة مبيعات امام مندوبي الشركة، وهو يشتعل غضباً، بينما وقف الى جانبه واحد من موظفي المبيعات، وافتتح المدير الغاضب ، خطابه وهو يمسك بيد ذلك الموظف قائلاً: بماذا يختلف عنكم هذا الشاب؟ وما هي الميزة التي تجعله يتفوق عليكم فيبيع ثلاثة اضعاف الكمية التي يبيعها كل واحد منكم؟ هل يملك هذا الموظف من الصحة الجسمية اكثر مما تملكون؟ لا اظن، لقد راجعت ملفه الصحي ووجدته يتعرض طيلة العام لعوارض صحية كما تتعرضون انتم. هل يتفوق عليكم ببذل مزيد من الجهد؟ ابداً انه لا يبذل جهداً اكثر مما تبذلون، فهو يلتزم بساعات العمل اليومية ولا يأخذ وقتاً اضافياً، اضافة الى انه يستمتع بإجازات آخر الاسبوع وبالاجازة السنوية. ثم رفع صوته على موظفيه قائلا: لماذا اذن يبيع ثلاثة اضعاف ما تبيعون؟ أتعلمون ما هو الجواب؟! ان زميلكم هذا يبذل جهداً عقلياً يوازي ثلاثة اضعاف الجهد العقلي الذي تبذلونه انتم. انه يشغل عقله بطريقة دائمة، ويبحث عن طرق ووسائل جديدة للتسويق بينما تكتفون انتم بالطرق التقليدية في تسويق البضائع، وبهذا تعطون انفسكم اجازة من التفكير، حيث يقتضي منكم الجهد العقلي بعض التعب وانت لا تريدون ان تدفعوا ذلك الثمن المطلوب. تشير هذه القصة الى النتائج المنخفضة للاعمال التي لا يقف عليها عقل متفتح، ولا تدعمها الطاقة الذهنية اللازمة، ولهذا فهي اعمال خالية من روح الاضافة والتجديد ولا ترتقي الى مستوى الجودة. وتناغما مع ما ذهب اليه مدير تلك الشركة من ضرورة تشغيل الطاقة الذهنية وعدم تعطيلها كتب: هنري وارد بتشر يقول: «ان ساعة من التفكير المكثف تفيد اكثر من عدة سنوات حالمة». ولعل كلمة «حالمة» تثير لدينا نحن دول العالم الثالث شجونا ومشاعر، بعد ان طارت عقول كثير من الفتيان والفتيات في عالم من الاحلام التي ظنوها وردية، وإذا بها سراب واوهام!! أما ايوجين غرايس الذي عمل رئيسا لشركة تنتج الفولاذ فيقول: ان كان هناك شيء اكثر اهمية مما تعلمته ومارسته كل يوم ضمن أية ظروف فهو التركيز على العمل الذي اقوم به. ان التفكير المكثف هو الذي اوصل محمد بن ابي عامر الى سدة الحكم في الاندلس حيث مثل له ذلك النوع من التفكير العميق وقوداً حقيقياً انار له طريقه، وحماه من التراجع عن ذلك الهدف الكبير الذي وجد نفسه مؤهلا لبلوغه. النوع الثاني من التفكير الذي تخشاه الامم ويضعف من قدرتها على النمو والتطور السريع هو «التفكير السطحي» وهو آفة تصيب رؤوس الشباب حيث يتحول الواحد منهم الى شخص راغب في الاسترخاء والراحة، ولا يرى نفسه مؤهلاً لادراك الامور العظيمة. اقرب مثل على هذا الشخص السلبي صديق محمد بن ابي عامر الذي تهكم على صاحبه الطموح وقال له: «اتمنى اذا افضى اليك الامر ان يطاف بي قرطبة كلها على حمار، ووجهي الى الذنب، وانا مطلي بالعسل، ليجتمع الذباب علي والنحل، وليكن هذا اول ما تستفتح به عهدك اذا حكمت الاندلس!! وبمنطق مدير الشركة الذي استفتحنا به زاوية اليوم فان صاحب محمد بن ابي عامر لم يكن معنيا على الاطلاق بتشغيل طاقته العقلية بما يؤهله لاستيعاب ذلك الهدف الذي تبناه ابن ابي عامر، اضافة الى كونه لا يرى في نفسه اي اهلية لتحمل تبعات الهدف الكبير. ومن واقعنا فان نماذج كثيرة لهذا الصاحب السلبي تنتشر في المؤسسات والهيئات وفي الدواوين والمجالس ايضاً، فقد تجد من هؤلاء من يضحك على زميل له في العمل لانه قال له: سأصبح يوماً مسئولاً بارزاً، او مديراً لامعاً، او شخصاً له اهميته في المجتمع وربما سيجيبه هذا الصديق الضعيف بنفس منطق صديق ابن ابي عامر فيقول له ساخراً: احقاً تقصد ما تقول؟! لو حدث ذلك فإني اتمنى ان تدخل علي مكتبي وتصفعني على وجهي امام الناس. لا ندري بالتحديد كم هم عدد الاشخاص المؤهلين للصفع، المنتظرين له، تماماً كما انتظر صاحب ابن ابي عامر وتحققت امنيته حين كان اول عمل قام به الحاكم محمد بن ابي عامر ان لبى امنية صديقه وفعل به ما تمنى وأراد!! مريم عبدالله النعيمي