انتهت ازمة الرئيس ياسر عرفات.. وانفك حصاره بفرمان علوي من فخامة صاحب الحول والطول.. والسلطة والصولجان شارون بن ابي صهيون! على المستوى السياسي كان عرفات تقريباً هو اول رئيس يدخل دائرة الحصار، واذا كان الحظ قد اسعد السيد عرفات بفك حصاره ـ سواء كان هذا الفك ثمنا لصفقة تنازلية او لأي سبب آخر ـ فان هذا الانفكاك لم يحدث «ولا يبدو انه سيحدث» لحصارات اخرى لا حصر لها على المستوى الاجتماعي وليس السياسي، هذه الحصارات لا تفلح فيها وساطات دولية او غير دولية، ولا تؤثر في فاعليتها قرارات لمجلس الامن او هيئة الامم المتحدة، فالذين اصدروها لديهم او لديهن من الصلابة والقوة ما ليس لدى شارون «على ما يتمتع به من صفاقة وعدوانية»، ورغم التنازلات شبه اليومية للمحاصرين على اختلاف مراكزهم واحجامهم فانه لا يبدو حتى الآن ان هناك املا في فك حصارهم او حتى التخفيف منه..! رجال مثل الورد يقعون تحت الحصار.. وكل ذنبهم انهم اقدموا ـ بوعي او من غير وعي ـ على التوقيع على وثيقة تسمى «وثيقة زواج» تتيح للطرف الآخر ـ دون نص مكتوب فيها ـ حقوقاً، قد لا يكون الحصار اخطر ما فيها، وتعني للطرف الاول ـ الزوج ـ قبولا ضمنياً بالحصار الابدي.. وكل توابعه وتبعاته! حصار الازواج ليس حصاراً مادياً.. يمنع الحركة والطعام عن المحاصرين، فهذا ابسط الوان الحصار واهونها، حصار الازواج حصار معنوي.. نفسي.. قهري، يتم احيانا بالعنف.. ولكنه في اغلب الاحوال يستخدم وسائل ابسط واكثر نعومة، ولكنها في نفس الوقت اكثر فاعلية وإيجابية في اخضاع الازواج المحاصرين لحصار لا يعلم مداه الا علام الغيوب! الكثير من الازواج يستبسلون اول الامر في رفض الحصار.. ويقاتلون بشجاعة دفاعاً عن حرياتهم واستمساكا بحقوقهم كبشر.. وكرجال، محاولين كسر حواجز الحصار وفك خيوطه قبل ان تلتف حول اعناقهم، الا انهم ـ مثل كل من سبقهم ـ سرعان ما تنهار مقاومتهم.. مسلمين بالامر الواقع، متأقلمين مع الوضع الجديد، متعرضين ـ تماماً كما حدث لعرفات ـ لضغوط داخلية وتدخلات خارجية لا قبل لهم بها، الضغوط الداخلية تأتي من جانب الزوجات اللاتي يبدأن الضغط برفض التطبيع الزوجي.. ثم ترتفع حدة الضغط حتى تصل الى اعلان العصيان المدني، اما التدخلات الخارجية فتأتي ـ كالعادة ـ من القوى العظمى المساندة لقوى الشر المنزلية، وكما ابتلانا الله «نحن العرب تحت الحصار» بقوة عظمى تسمى اميركا مهمتها الاولى والاخيرة هي تنكيد عيشتنا وسد كل طريق سالك في حياتنا..، كذلك ابتلى الازواج بقوة عظمى لا تقل بطشاً وشراً عن اميركا وهي «دولة الحموات العظمى» التي تملك من إمكانيات البطش والشر ما يجعل نجاحها في إملاء الشروط على الازواج المحاصرين وإجبارهم على التسليم بها مؤكداً وفاعلا..! حصار عرفات كان انهاؤه مشروطاً بالبصم على تنازلات معينة مقابل الافراج عنه، اما حصار الازواج فهو حصار ابدي، يلتهم التنازلات واحداً بعد الآخر.. ويوماً بعد يوم.. ثم يقول: هل من مزيد؟ اي انه ابتزاز يتجدد يوماً بعد يوم وشهراً بعد شهر، حصار لا تنفع كل تنازلات الدنيا في انهائه، معتبراً انه حق للزوجة اكتسبته بموجب وثيقة الزواج التي تراها الزوجة اقوى من قرارات الامم المتحدة ومجلس الامن، وبمقتضى هذه الوثيقة يحق للزوجة ـ كما تدعي ـ الاعتراض على اي اتجاه يسعى الى رفع الحصار او تخفيفه..! النهاية الوحيدة لهذا الحصار لا تأتي الا عن احد طريقين، اما بصحوة انتفاضية يائسة تضع حداً للحصار على يد «المأذون»، وإما بنهاية قدرية تأتي برحيل احد طرفي الصراع: المحاصَر.. او المحاصِر الى حيث لا رجعة.. ولا حياة.. ولا حصار..!! شارون لم يبتدع موضة الحصار فالزوجات هن اول من ابتدعنها وقننها.. وهن اول من ارسى قواعدها، الفارق الوحيد هو ان شارون اسماها «حصار».. بينما ابقت الزوجات على الاسم الاصلي والحقيقي وهو.. «زواج»..!!