قبل ايام قليلة كنا على موعد مع الذكرى الخامسة والثلاثين لهزيمة الخامس من يونيو 1967، ومع ان هذه المناسبة تعيد فتح الذاكرة على مرحلة من مراحل المعاناة العربية ـ الفلسطينية لاتزال آثارها المدمرة تعشش في داخل كل مواطن عربي وتلقي بثقلها على واقعنا الراهن، لكنها في الوقت ذاته فرصة تفرض علينا وقفة تأمل جدية لتقدير ما اذا كانت تلك الحرب العدوانية حققت لاسرائيل كامل اهدافها السياسية، بعدما اعتبرت.. نجاحاً عسكرياً باهراً وغير مسبوق. قد يكون من قبيل التكرار القول ان الاستراتيجية الاسرائيلية، ومنذ ان استتب الامر للدولة العبرية في فلسطين بعد تسليم الحكومات العربية بالامر الواقع الذي فرضته عليها، ترتكز الى قاعدة اساسية هي التوسع الدائم في مختلف المناطق والدول المحيطة بها، والهدف من ذلك الاستيلاء على مزيد من الارض ومضاعفة نفوذها وتأثيرها في المنطقة من جهة، وتجنب وقوع اية مواجهات محتملة مع دول عربية معادية داخل اسرائيل نفسها من جهة اخرى، حيث يشكل العامل الجغرافي نقطة الضعف الرئيسية في الكيان الاسرائيلي المستحدث. وفي اطار هذه الاستراتيجية الثابتة رفضت اسرائيل على الدوام رسم او تحديد حدوها النهائية كما شنت سلسلة من الحروب، ابرزها حرب الخامس من يونيو التي احتلت فيها صحراء سيناء المصرية ومرتفعات الجولان السورية، والضفة الغربية وقطاع غزة اللذين يشكلان ما تبقى من ارض فلسطين التاريخية، ثم غزت لبنان لاحقا واحتلت معظم اراضيه الجنوبية ووصل اجتياحها عام 1982 حتى العاصمة بيروت. وكنتيجة لعملية التوسع هذه ظل الداخل السكاني الاسرائيلي بعيداً عن ردود الفعل العربية، كذلك فإن المفاوضات العربية ـ الاسرائيلية اللاحقة دارت في معظمها حول نتائج التمددات الجديدة والمساومة على الاراضي المحتلة، بدلاً من ان تنحصر في القضايا المتصلة باحتلال فلسطين وحقوق الشعب الفلسطيني. كانت الاستراتيجية الاسرائيلية تنبني دائما على اساس ان الدولة العبرية تصبح قلعة محاصرة اذا لم تتوسع باستمرار، بحيث تكون دائرة مصالحها أوسع من حدودها، فهي اعدت وتعد نفسها لدور اقليمي، وربما عالمي، يفوق حجمها الحقيقي، الجغرافي والسكاني، وان كانت قدراتها العسكرية التقليدية والنووية من ذاك الطراز الذي لا يتوفر سوى للدول الكبرى وذلك بفضل مجموعة من العوامل الذاتية والدولية المترابطة. يقول ارييل شارون في مؤتمر صحفي عقده في معهد الدراسات الاستراتيجية في تل ابيب «ديسمبر 1981» اثناء توليه منصب وزير الدفاع في حكومة مناحيم بيغن:«ان دائرة المصالح الاستراتيجية الاسرائيلية لا تقتصر فقط على البلدان العربية في الشرق الاوسط والبحر المتوسط والبحر الاحمر ولكن لاسباب امنية يجب ان تمتد هذه المصالح كي تصل الى تركيا وايران وباكستان ومناطق الخليج «الفارسي» وافريقيا وخاصة بلدان شمال افريقيا وافريقيا الوسطى». اما شيمون بيريز ـ صاحب مشروع القنبلة النووية الاسرائيلية ـ فقد تكلم كثيرا، عندما كانت ابواب تفتح في اتجاه الدول العربية الواحد تلو الآخر، عن الدور الاسرائيلي الاقتصادي المهيمن في منطقة الشرق الاوسط كلها حيث تلتقي التكنولوجيا الاسرائيلية مع الاستثمارات العربية لتكون عالماً اقتصادياً واحداً متكاملاً ثم تنفتح دول المنطقة على بعضها عبر شبكة واسعة من الاوتوسترادات، وتكون اسرائيل حجر الرحى في هذا التحول الكبير. واذا كان شارون وبيريز تكلما على هذا النحو في ظل اجواء مرحلتين متباعدتين ومختلفتين، إلا ان الاستراتيجية التي انطلقت منها حرب يونيو 1967، بأبعادها الجغرافية والسياسية والعسكرية والاقتصادية، شكلت وتشكل الخلفية السياسية لطموحاتهما معا، وهو ما نلمسه اليوم من خلال وجودهما الاستثنائي في حكومة واحدة شعارها «الوحدة الوطنية». استراتيجية التوسع مع ذلك فإن القاء نظرة متفحصة على المراحل التي اعقبت حرب يونيو يبين بوضوح انه برغم النصر العسكري السريع والكاسح الذي حققته اسرائيل عام 1967، لم تستطع الدولة العبرية، اجبار الدول العربية على الاستسلام لها بحيث تجعل من تلك الحرب آخر حروب المنطقة، فقد حدثت بعد ذلك حرب السادس من اكتوبر 1973 التي اسقطت جزءا رئيسياً من نتائج حرب يونيو. ثم حدثت مواجهات اسرائيلية ـ عربية متعددة مازالت مستمرة حتى اليوم. وفي الواقع فإن الاستراتيجية الاسرائيلية الرامية الى جعل المواجهات العسكرية تقع دائما خارج اراضي فلسطين المحتلة، لم تسقط فقط عام 1973 باجبار اسرائيل على الانسحاب من صحراء سيناء والانكفاء الى الداخل الاسرائيلي ـ وحتى بتهديد وجود كيان الدولة العبرية من اساسه عندما كادت القوات الاسرائيلية المرابطة في صحراء سيناء ومرتفعات الجولان السورية تتعرض لهزيمة مدمرة، وانما سقطت بعد ذلك في جنوب لبنان حيث باتت المواجهات مع المقاومة الوطنية اللبنانية داخل المدن الاسرائيلية من خلال عمليات القصف الصاروخي الذي استهدف المراكز العسكرية والمستوطنات المنتشرة في شمالي فلسطين المحتلة، ثم حدث تطور مماثل بعد انفجار الانتفاضة الفلسطينية الثانية عام 2000 اذ انتقلت المواجهات الى عمق الكيان الاسرائيلي عبر العمليات الاستشهادية وغيرها من ردود الفعل المختلفة على الاحتلال الاسرائيلي وهو الوضع الذي تواجهه الدولة العبرية في الوقت الراهن. وهكذا.. لم يعد من الممكن استذكار حرب يونيو 1967 دون التوقف عند هذه الحقائق، في الوقت نفسه، برغم الثمن الباهظ الذي دفعته وتدفعه المقاومة العربية، سواء في مصر او في لبنان او في فلسطين، كذلك فإن تواصل احتلال مرتفعات الجولان السورية والضفة الغربية وقطاع غزة، ورفض الاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني، يجعل المعركة مفتوحة باستمرار بغض النظر عن العوامل التي اضيفت الى الصراع القائم في اعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر ضد الولايات المتحدة، من اجل تبرير الاعتداءات الاسرائيلية وتغليفها بذرائع دفاعية. ان تنفيذ استراتيجية التوسع والهيمنة كان ممكناً تحت تأثير اغراء التفوق العسكري الاسرائيلي ولكن اذا نظرنا الى نتائجها السياسية المحققة نجد انه لم يكن هناك توازن ما بين التفوق العسكري الكاسح ونتائجه السياسية غير الحاسمة، وحتى لو كانت حرب اكتوبر 1973 انتهت بتسوية مصرية ـ اسرائيلية اخرجت مصر من ساحة الصراع العسكري مع الدولة العبرية، إلا ان الاستراتيجية الاسرائيلية ستظل تعاني من تغيرات متلاحقة طالما بقيت المقاومة الشعبية في وجه الاحتلال الاسرائيلي مستمرة ومتصاعدة، سواء في الضفة الغربية وقطاع غزة او داخل الكيان الاسرائيلي نفسه، ان اخراج قوات الاحتلال الاسرائيلي من جنوب لبنان بالقوة اكد، بعد حرب اكتوبر المصرية ـ السورية، انه من الممكن فرض تراجعات مستمرة على استراتيجية التوسع الاسرائيلية، وبالتالي جعل عمليات القتل والتدمير التي يمارسها ارييل شارون من دون جدوى. حدود التفوق الاسرائيلي ان التفوق العسكري الاسرائيلي وامتلاك السلاح النووي، ترك تأثيره الواضح على الحكومات العربية، لكنه لم ينه المقاومة العربية، ودليل ذلك ان هذا التفوق لم يمنع من الحاق هزيمة كاملة بالقوات الاسرائيلية في جنوب لبنان، كذلك لم يستطع اضعاف ارادة المقاومة لدى الشعب الفلسطيني، فالالة الحربية الاسرائيلية المتفوقة استطاعت وتستطيع دائماً، التوغل داخل الاراضي الفلسطينية المحتلة، واجتياحها المرة تلو الاخرى، لكنها ظلت عاجزة دائما عن كسر ارادة المقاومة واجبار الشعب الفلسطيني على الاستسلام، بل على العكس من ذلك، كلما امعنت القوات الاسرائيلية في تدمير البنى التحتية الفلسطينية واحداث الخراب في كل مكان، كلما تصلبت ارادة المقاومة لدى الفلسطينيين وزادت من اقبالهم على تقديم التضحيات. وفي السياق ذاته يمكن القول انه اذا كانت الجيوش العربية «الرسمية» لم تستطع ـ ضمن موازين القوى الحالية ـ الوصول الى داخل الكيان الصهيوني لفرض تسوية عادلة تعيد الحق الى نصابه في فلسطين المحتلة، إلا ان وصول عمليات المقاومة الى الداخل الاسرائيلي، برغم الجدل القائم حول مسألة استهداف او تحييد المدنيين، يؤكد ان ثمة بديلاً متاحاً لابطال مفعول الاستراتيجية الاسرائيلية الاساسية، ولعل هذا بالذات ما يرفع درجة رد الفعل الانتقامي الاسرائيلي، او ما يسميه الاسرائيليون «الرد الوقائي» الى مستوى الجنون المطلق حيث يتم استخدام كل الوسائل العسكرية المتاحة «باستثناء السلاح النووي» وانتهاك القوانين والشرائع الدولية والانسانية والاخلاقية كافة من دون ان يحقق ذلك الهدف المطلوب. لابد من القول ان حرب اكتوبر 1973 سجلت تفكيك الحلقة الاولى والرئيسية في استراتيجية التوسع الاسرائيلية، حتى وان كانت نتائجها السياسية لا توازي نتائجها العسكرية. كذلك فقد تم في بيروت عام 1982 ثم في جنوب لبنان لاحقا، تفكيك الحلقة الثانية، وما نشهده في الاراضي الفلسطينية المحتلة منذ اندلاع الانتفاضة الشعبية الثانية عام 2000، جهد متواصل لاحداث نتائج مماثلة، سواء كان شارون او سواه على رأس السلطة في اسرائيل. ان هذه التداعيات الايجابية في مراحل ما بعد حرب يونيو 1967، برغم التراجع المستمر على الصعيد الرسمي العربي، تدفع الى الاعتقاد بأن اسرائيل هي التي تواجه المأزق المستقبلي الحقيقي وليس الشعب الفلسطيني، حتى لو واصلت الولايات المتحدة دعمها للعدوان الاسرائيلي. فمنذ 5 يونيو 1967 وحتى الآن ثمة مسيرة تراجع اسرائيلية لا تخفى على احد. مشكلة اسرائيل المستقبلية الكبرى ان قنابلها النووية المئتين، أو اكثر غير قابلة للاستعمال ضد الشبان والفتيات الذين يتسابقون للاستشهاد دفاعاً عن ارضهم المحتلة وعن كرامة امتهم. ـ كاتب لبناني