من الطبيعي تماما أن تثير دعوة إصلاح النظام الفلسطيني عاصفة من التساؤلات، حول أهدافها الحقيقية والمفتعلة وحول توقيتها ونوايا الداعين لها وحدودها والقوى، التي تضطلع بها، وقبل ذلك وبعده، حول آفاقها وجدواها وحظها من النجاح والاخفاق. وجود الاحتلال الإسرائيلي بكل إشعاعاته وظلاله على مجمل الحياة الفلسطينية، المناحي السياسية في طليعتها ، هو الذي يجعل لهذه الأسئلة مغزى ويمنحها المبررات المنطقية اللازمة. وتصبح هذه الأسئلة مبررة أكثر، حين تكون دولة الاحتلال أحد أهم مصادر هذه الدعوة، وحين يتضح أن نطاق تفعيلها يقتصر على سلطة الحكم الذاتي التي تقع في متناول سيطرة هذه الدولة. الاحتلال الإسرائيلي هو أهم المعطيات التي تحف بمطلب الإصلاح السياسي الفلسطيني، وهو معطى أو مدخل لايمكن عزل تأثيره عن مجريات التعامل مع هذا المطلب أو الاستجابه له ولو اتصلت عملية الإصلاح بمنظمة التحرير الفلسطينية البعيدة نسبيا عن هذا التأثير، لحق لنا توقع سيرورة مختلفة، نسبيا أيضا، لمأل هذه العملية . على الأقل لأنها سوف تتفاعل في بيئة أكثر مواتاة لإطلاق نوازع الإصلاح العاطفة على تقوية السياسة الفلسطينية في وجه الضغوط الإسرائيلية الرامية إلى العكس تماما. نحن نأمل أن يعي المخلصون في دعوة الإصلاح هذا المنظور، لكن الأمور لا تبشر حتى الآن بذلك إذ أن المجال المقصود بالدعوة يكاد لا يخرج عن دائرة الضفة وغزة، وليس ثمة أصداء للطرح الداعي إلى امتداد عملية الإصلاح إلى منظمة التحرير، التي يتعلق مجالها الوظيفي بكل قطاعات الشعب الفلسطيني داخل هذه الدائرة وخارجها . المدخل الإسرائيلي إذا مبثوث في تضاعيف عملية الإصلاح المثارة هذه الحقيقة تحث أي منصف على مطالعة العملية بعقلية نقدية لا تشوش عليها الضجة الكبرى المحيطة ، ولا ريب في أن من يعمل بهذه المنهجية سيصل إلى الترتيب التالي للوقائع: ان النظام الفلسطيني يحتاج بالفعل إلى إعادة نظر تستهدف مزيدا من الشفافية والوفاق والمحاسبة والضرب على يد الفساد والمفسدين، وذلك لتعزيز قدرات الشعب الفلسطيني في مواجهة الاحتلال وعلى طريق تحقيق أهدافه الوطنية في الحرية والدولة المستقلة وفقا لما اقرته له القرارات الدولية وشرعة حقوق الإنسان والشعوب. - يستحق الشعب الفلسطيني نظاما سياسيا أفضل مقارنة بممارسات النظام القائم حاليا، سواء في إطار منظمة التحرير أو السلطة الوطنية . وقد طالب هذا الشعب، على الصعيدين الفكري والحركي «القوى السياسية والمدنية» ، بالتغيير السياسي الذي يعني الإصلاح الديمقراطي بمغزاه وأهدافه المذكورة أعلاه، حدث هذا في مراحل مختلفة، لكن تجليات الاجتياح الإسرائيلي الأخير، أبرزت ضرورة إنجاز هذا المطلب وعدم قابليته للتأجيل . - تواكب بروز هذه الضرورة فلسطينيا «وطنيا» مع دعوة إسرائيلية ودولية «أمريكية أوروبية» وعربية نسبيا للتغير. - إن إسرائيل دولة تحتل بالقوة العاتية الأراضي الفلسطينية وتمارس إرهاب الدولة ضد الشعب الفلسطيني وتمتهن سلطته وتبتز قيادته . وهي في هذا كله تلقى دعما من القوى الدولية المتبنية لدعوة تغيير النظام الفلسطيني. والهدف الأسمى لهذا التحالف هو تكوين نظام جديد خال تماما من دسم قضية مقاومة الاحتلال الإسرائيلي لجهتي الفكر والممارسة وبخاصة ما يتعلق بالأنماط العنيفة من هذه المقاومة .. ثم إملاء تسوية سياسية على هذا النظام لا توافق أهواء الشعب الفلسطيني ولا تستجيب لحقوقه طبقا للشرعيتين التاريخية أو القانونية . - من دلائل الإسترابة في الأجندة الإسرائيلية الدولية للتغير الفلسطيني، أن النظام المراد هدمه وإعادة بنائه الآن كان مرضيا عنه الى وقت ليس بعيد، بل وكانت دولة الاحتلال ومحالفوها مسئولين عن كثير من أمراضه التي يكشفون عنها تباعا، ونحسب أن مخالفته لأجندتهم وعصيانه إلى حد ملموس للمسار الذي حددوه له، هو الذي أوجب تأديبه بالاجتياح أولا، ثم بالإنقلاب عليه والسعي لإزاحته تاليا . - من غير المتصور طبقا للنظرية والممارسة أن تكون إسرائيل، دولة الاحتلال الباغية «وأنصارها» غيورة على تفعيل أو تقعيد نظام فلسطيني ديمقراطي بالمفهوم الحقيقي، هذه مقدمة بديهية منطقيا ليس لعاقل أن ينقض صحتها ولا أن يتطلع إلى إقامة البرهان عليها. فالإحتلال هو من الأصل عمل من أعمال العدوان وليس لمن يقوم به وبجرائمه البشعة أن يدعي الديمقراطية في نفسه، وليس له من باب أولى أن يزعم حرصه عليها بين يدي ضحاياه. ينتهي بنا هذا التسلسل إلى قناعة أكبر بفكر المشككين في أيلولة دعوة الإصلاح والتغيير في المجال السياسي الفلسطيني، طالما بقي الاحتلال الإسرائيلي جاثما في فلسطين، فإن قيل إن هناك من يعطفون بكل جدية وصدقية على هذه الدعوة، نازعين حقا إلى تكريسها لصالح تقعيد النضال الفلسطيني، قلنا إن هذا صحيح ،غير أن لإسرائيل ومحالفيها اليد العليا في تقرير الإتجاه الذي تسلكه دعوتهم ، مهما حاولوا الفكاك من إسار هذه الحقيقة . هناك عشرات الأمثلة التي تبرهن على هذه النتيجة، نكتفي منها في هذا المقام بإثنين، الأول مستلهم من مرحلة ما قبل تعميم قضية الإصلاح، فالنظام القائم حاليا في الضفة وغزة، نظام السلطة الوطنية بقيادة ياسر عرفات، انبعث في أساسه عن إجراءات وصفت بالديمقراطية، أهمها الانتخابات والتشريعات الرئاسية في يناير 1996، وقد تمت هذه الإجراءات تحت رقابة دولية من القوى التي تقيم الحجة على لا ديمقراطية هذه السلطة راهنا، وفي وجود السيطرة الإسرائيلية، فما الذي غير قلب هؤلاء إزاء عرفات ونظامه «المنتخب ديمقراطيا» لا شئ سوى أن هذا النظام خرج عن طوع الإملاءات التي يفترض منه قبولها. لقد كانت الديمقراطية آنذاك سبيلا إلى تبرير القبول بهذه الإملاءات إذا ما تم هذا القبول أما وقد انحرف النظام عن هذه السكة، فلا مجال لبقائه ورب مجادل هنا بأن عرفات ونظامه فهم الدرس بعد الاجتياح ، وراح يمرر ما هو مطلوب منه أو أظهر استعدادا لذلك . لكن القوى إياها لايبدو أنها بوارد إعادة تأهيل هذا النظام مجددا إذ من يضمن لها أن لا يعود إلى صوابه الوطني وينتكس، في نظرها، إلى زمن خطاب الثورة والمقاومة ؟! أما المثل الثاني فمازال حاضرا في غمرة مابعد إطلاق دعوة الإصلاح، وهو مؤشر على بطلان صدقيتها إسرائيليا ودوليا، واستحالة تطبيقها في حياة الاحتلال، فقد استجاب نظام عرفات لطلب استقلال القضاء .وهذا إجراء ديمقراطي لا شية فيه غير أن إسرائيل لم يعجبها أن يطلق هذا القضاء المستقل زعيم الجبهة الشعبية المحتجز أحمد سعدات وهي توعدت الرجل بالعقاب وشنت هجوما على القضاء الفلسطيني بحيثيته الجديدة، وتحدثت عن عدالتها البديلة التي تعني إما بقاء سعدات قيد الحبس غير العادل أو الملاحقة بالاغتيال، كان هذا الموقف اختبارا عاجلا لمغزى دعوة الإصلاح بالمفهوم الإسرائيلي. ولكل المعنيين أن يقيسوا على هذا الاختبار إذا ما أرادوا استبصار مستقبل هذه الدعوة وسيف الاحتلال مسلط على رقبة فلسطين ونظامها السياسي العتيد. ـكاتب فلسطيني- القاهرة