تحدث ديك تشيني نائب الرئيس الاميركي الى مجموعة من الاكاديميين عن «الخطر الاعظم» الذي يمثله نظام الرئيس صدام حسين وفي اليوم التالي تحدثت مستشارة الرئيس الاميركي للامن القومي كوندوليزا رايس الى صحيفة «واشنطن بوست» عن «خطورة العراق على جيرانه». وقبل حديث تشيني قال جورج بوش نفسه: ان العراق «يشكل خطرا ماثلا وجسيما على حريتنا وحرية العالم». وهكذا مع تعاقب كبار مسئولي الادارة الاميركية يوما وراء يوم ـ واحيانا مرتين او اكثر خلال 24 ساعة ـ في الحديث التحذيري عن العراق بكلمات ذات رنين ارعابي، يخيل اليك ان حل كل مشاكل كوكب الارض ومعضلات غزو الفضاء الخارجي بما في ذلك التأكد النهائي من وجود الماء تحت سطح كوكب المريخ الاحمر، سوف يكون متاحا تلقائيا وفوريا بمجرد اسقاط نظام الرئيس صدام حسين في العراق. قبل بضعة ايام دعي ممثلون عن اربع مجموعات من المعارضة العراقية الى مقر وزارة الخارجية الاميركية في واشنطن، حيث كان في استقبالهم مارك جروسمان مساعد وزير الخارجية الاميركي للشئون السياسية، ودون اي حرج اعلن المتحدث باسم الخارجية الاميركية ان الغرض من الاجتماع هو «بحث سبل الاطاحة بالرئيس العراقي صدام حسين» ومن اجل هذا الغرض جرى ايضا البحث في ترتيبات لعقد مؤتمر للمعارضة العراقية. لماذا كل هذا الاهتمام الاميركي بالعراق؟ وهل وقع اختيار جماهير الناخبين الاميركيين على جورج بوش من اجل معالجة حالة الركود الاقتصادي السائدة في البلاد ام لجعل العراق اولوية اولى في اجندة السياسة الخارجية؟ ان هذا التحامل ليس له سوى تفسير واحد، هو ان العراق اذا اتيح له الانعتاق من قيود العقوبات الدولية فانه فعلا سوف يشكل خطرا لكن ليس على جيرانه او العالم ولكن على اسرائيل ومستقبل الصراع المصيري بين الفلسطينيين والاسرائيليين. فالعراق سوف يكون مصدر امداد خطير لفصائل المقاومة الفلسطينية اذا استطاع استعادة السيطرة السيادية على موارده بالكامل، ويرى رجال الادارة الاميركية الآن ان السلطات العراقية تقوم بتوزيع مكافآت نقدية لأسر الشهداء الفلسطينيين بواقع 30 ألف دولار لكل اسرة يقدمها تنظيم فلسطيني متحالف مع بغداد على هيئة شيكات دولارية قابلة للصرف الفوري. ان مثل هذا الفعل يثير قطعا تخوفا لدى الادارة الاميركية (بالاضافة الى اسرائيل) والتخوف بدوره يثير تساؤلا قلقا: اذا كان هذا هو حال العراق الآن وهو لايملك التصرف السيادي في موارده الاقتصادية والمالية الا في حدود نظام «النفط مقابل الغذاء» المفروض كعقوبة دولية فكيف يكون الحال اذا استرد العراق سيادته بالكامل بعد رفع العقوبات؟ ولم تستطع الادارة الاميركية السكوت على هذا المسلك العراقي تجاه الفلسطينيين فعمدت الى اتهام بغداد بتمويل «الارهاب» الفلسطيني. لكن مثل هذا الاتهام لن يصلح كذريعة اميركية لشن حملة عسكرية شاملة ضد العراق للاطاحة بنظام الرئيس صدام فلن تعثر دولة عربية واحدة على مبرر لتأييد حملة اميركية ضد دولة عربية اخرى بذريعة دعم الدولة المعتدى عليها للمقاومة الفلسطينية. من هنا كان البحث الاميركي المثابر عن ذريعة اخرى يمكن ان تصلح لاستقطاب تأييد عربي ضد بغداد ولدى وصول ادارة بوش في هذا السياق فانها قررت اللجوء الى اسلوب التلفيق. كانت المحطة الاولى في البحث الاميركي الدؤوب محاولة ربط العراق بأحداث تفجيرات 11 سبتمبر ولكن ادارة بوش لم تعثر حتى على شبهة ملفقة لايجاد رابطة بين بغداد وتنظيم «القاعدة» وشبكاته الاسلامية العالمية، فالعالم كله يعرف ان النظام الحاكم في العراق ذو توجه علماني. واخيرا تفتقت العبقرية الاجرامية للادارة الاميركية عن معادلة يتمثل عنصرها الجوهري في نقطتين: اولا: ان العراق «يمتلك» اسلحة دمار شامل. ثانيا: ان بغداد قد تزود منظمات «ارهابية» بهذه الاسلحة لضرب العمق الاميركي. وكلتا النقطتين افتراض، او في افضل الاحوال اشتباه او احتمال لكن كلا منهما ليس حقيقة مثبتة. ومن الواضح ان الادارة الاميركية تراهن على ان بغداد سوف تواصل رفض عودة الفرق الدولية للتفتيش عن اسلحة الدمار الشامل. لكن ماذا لو فاجأت بغداد العالم بقبول عودة التفتيش؟