يحكي التاريخ هذا الموقف المليء بالمعاني الانسانية الرائعة الذي دار بين الخليفة هارون الرشيد، وبين رجل من عامة الناس «اسمه بهلول» وهو شخص يعرفه كل من له اطلاع على كتب الادب، وكل من له باع في دراسة سيرة الخليفة الفذ هارون الرشيد. ففي ناحية من نواحي مدينة بغداد، وعلى مسافة قريبة من مقبرة خلفاء بني العباس التقى هارون الرشيد بالرجل البسيط «بهلول» ولم يكن ذلك اللقاء هو اللقاء الوحيد الذي دار بين الرجلين فقد سجلت كتب الادب لقاءات عديدة من هذا النوع الذي اجتزيء منه هذه الحادثة. يقول التاريخ ان هارون الرشيد بادر «بهلول» بالتحية وقال له: يا بهلول عظني فقال بهلول: وبماذا اعظك يا امير المؤمنين؟! هذه قبورهم. واشار بيده الى المقبرة القريبة، حيث يرقد فيها خلفاء من بني العباس، وهذه قصورهم واشار بيده الاخرى الى قصور العباسيين القريبة ايضاً من المكان نفسه. فما كان من الخليفة الرقيق الطبع، المرهف الشعور الا ان بكى وسالت عيناه بالدموع ثم قال له: يا بهلول ألك حاجة؟! فقال له بهلول: لا، فسأله الرشيد: هل آمر لك بمال؟! فرد عليه بهلول الرجل البسيط الحال قائلاً: يا هارون اظننت ان الله يعطيك وينساني!! لا ادري بالتحديد منذ متى قرأت هذه الحكاية التي دونتها كتب الادب، ولكن الذي ادريه انها لم تغب يوماً عن بالي خاصة وانا ارصد طابور الخائفين المشفقين على ارزاقهم الذين ألجم الخوف افواههم ومنعهم من قول ما يعتقدون به لا امام شخص بقامة الرشيد، وإنما امام زملاء المهنة او رؤساء العمل وفق اعظم التقديرات للمنازل والرتب التي كنت ومازلت اطمح ان ارى الناس جميعهم تتطاول اعناقهم ليقولوا رأيهم فيما يخصهم وليس فيما يخص سواهم من عامة الناس. نعم، كثيراً ما ألجم الخوف على الرزق الألسنة ومنعها من ان تعبر ولو بجملة مختصرة عن رأيها في موضوع يتعلق ببيئة العمل امام الرئيس المسئول او المدير العام، رغم انه في مرات عديدة لم يكن هناك قمع ولا اجراء تعسفي في حق من عبروا عن ارائهم!! ولكن كابوس الخوف الذي يسيطر على بعض الموظفين يمنعهم من ممارسة ادوارهم بفاعلية وحيوية دونما مبرر واضح لمثل هذا النكوص والتراجع في اثراء بيئة العمل بالرأي الخاص ومن ثم الاستعداد للمناقشة وتبادل وجهات النظر. ان هذه الهزيمة النفسية لا شك انها تفقد الانسان اي شعور بالانتماء الى بيئة العمل، ناهيك عن انها اعتراف ضمني بنقص الكفاءة في لعب الادوار الهامة والحساسة التي تحتاج الى قدر من الشجاعة والاحساس بالثقة بالنفس وبزملاء العمل والرؤساء ايضاً. ومما يؤكد خطورة مثل هذا النوع من الخوف السلبي المفتقد للمبرر والمنطق هذا المثل الاميركي الشهير الذي ترويه كتب الادارة: «اذا كنت انت ومديرك دائماً على رأي واحد، فان احدكما حتما على خطأ». والسبب في هذه النتيجة هو ان احد الشخصين اللذين يتحدث عنهما ذلك المثل قد اعطى نفسه اجازة من التفكير، وعطل عقله، واكتفى بدور هامشي هو دور الرجل الباصم، الذي لا يحسن الا ان يقول «نعم» حتى ولو كان الصواب في قول «لا». مثل هذا الشخص لا شك انه زائد على العمل، ولن يرقى ابداً ليكون شخصاً فاعلا ومؤثراً في تلك المؤسسة التي ينتمي اليها. ان كل هذه الخسائر يتكبدها الشخص الصامت الخائف القلق دونما سبب وجيه، ولكن ماذا عن الشجاعة؟ أليست هي الحصان الرابح لتحقيق الذات، وتطوير بيئة العمل. وايضا لتحقيق القدر المناسب من الجاذبية الشخصية لذلك الانسان الرائد في المحيط الذي ينتسب اليه. بلى تصنع الشجاعة الادبية كل ذلك وما هو فوق ذلك، وهو الدرس الذي فهمه «بهلول» جيداً وأداه اروع الاداء. حيث وفر له ذلك الفهم حضوراً وجاذبية جعلت اقلام الادباء، وكتب المؤرخين تسجل باعتزاز مثل ذلك الموقف الشجاع. مريم عبدالله النعيمي m-alnaymi@maktoob.com