الجواز الذي أقصده ليس المتعارف عليه باللهجة المصرية ويعني الزواج، فواحدة تكفي بعد ان غزا الشيب رأسي، فأنا لست الحاج متولي لأبحث عن مثنى وثلاث ورباع.. والجواز الذي أسعى اليه كوثيقة سفر معروفة ليس جوازاً أميركياً بعد ان بات حلماً للكثيرين من المهاجرين والراغبين في الاغتراب.. لأن الجواز الأميركي لمثلي أصبح شبهة ومصدر اتهام في وقت أصبح فيه التمييز العنصري وازدواجية المعايير وكراهية كل ما هو مسلم وعربي سمة مميزة للسياسة الاميركية بعد زلزال سبتمبر. الجواز الذي أتحدث عنه، جواز سفر بلدي الذي افتقدته لفترة زمنية قصيرة ذات يوم في عاصمة النور باريس خلال رحلة قمت بها الى هناك قبل عدة أعوام ومعي أسرتي الصغيرة، لكن تلك الفترة مرت عليّ وكأنها دهر.. شلّت تفكيري، وجمّدت الدم في عروقي، وجعلتني أهيم على وجهي.. وتلك كانت قصة بطلها شاب عربي للأسف وهو واحد من آلاف العاطلين في أوروبا وفرنسا على وجه التحديد. كان اليوم الأخير لي في باريس بعد زيارة امتدت لعدة أيام، وبعد ان أنهيت اجراءات اقامتي في الفندق وحملت أمتعتي الى خارجه لرحلة العودة الى دبي.. وقفت أمام البوابة بحثاً عن سيارة أجرة تقلني الى المطار، وقفت زوجتي ومعها طفلي الصغير وبجوارهما الامتعة، وذهبت مع ابني الآخر لتقاطع الشارع لايقاف سيارة، وبعد لحظات حدث مشهد درامي غاية في الاثارة، حيث التفتت زوجتي لتجد الحقيبة الصغيرة التي تحوي أوراقي وتذاكر السفر والجوازات وبعض النقود قد اختفت فجأة فصاحت بأعلى صوتها: حرامي. فذهبت اليها وعرفت أسباب صياحها، فركضت تائه الخطى نحو مقهى لأجد أمامه عامل نظافة أفريقي الملامح، فأشار الى داخل المقهى، فدخلت المقهى وهو يتابعني، صعدت الى أعلى ثم هبطت الدرج والعامل يتابعني فوجدت تجمعاً لأناس من شتات الأرض يتحدثون ويدخنون ويحتسون الشاي والقهوة.. فأشار الي أحدهم فوجدته في أبهى حلة، البدلة الأنيقة والسيجار بين أصابعه ورائحة العطر تفوح من ثنايا ملابسه، فلم أصدق ان يكون هو، ولكن أصابع العامل تشير الى أسفل، نظرت فلم أجد شيئاً تحت الطاولة أو بين قدمي ذلك الرجل وفجأة خرج مسرعاً وفي يده الحقيبة، انها حقيبتي.. ماذا افعل؟ غادرت المكان وأنا اسرع الخطى لالحق به، ولم ألتفت الى نادل المقهى أمامي فاصطدم بي لتندلق طلبات الزبائن من شاي وقهوة ومرطبات على رؤوس الجالسين، وماهي الا لحظات حتى تحول طريق المقهى الى شبه تظاهرة، فالمتضررون من آثار العدوان أخذوا يركضون خلفي وأنا أعدو وكأنني تحولت الى مطارد تبحث عنه الشرطة بينما ابحث عن اللص الهارب والقلق يشل تفكيري على حقيبتي التي ضاعت فذهبت الى العامل استوضح منه شكل الجاني الهارب ولكن اللغة كانت الحاجز بيني وبينه لتسيطر لغة الاشارة علينا فلم افهم شيئا ولم اجد حقيبتي او أدرك سارقها وذهبت الى زوجتي فوجدتها غارقة في بحر من العرق والدموع.. جلست بجوارها وسرحت طويلا ترى إن لم اعثر على الحقيبة ما الذي سأفعله؟.. هل اقف في الطريق وأردد جواز لله يا محسنين؟ والى أين سأذهب، إلى سفارة بلدي لاستصدار جواز جديد؟ ولو حدث ذلك فكيف سأثبت لسفارة الامارات اني مقيم على ارضها حتى تمنحني تأشيرة دخول.. بلا نقود كيف سأتحرك وبلا تذاكر سفر كيف سأعود؟ والى أين؟ عدت الى نفسي وقلت ان الكثيرين من الناس الذين يزورون فرنسا في اجازاتهم السنوية يكونون فريسة سهلة لعصابات السرقة والنصب والاحتيال وللاسف بأيد عربية من اولئك الذين يهاجرون من بلادهم بحثا عن حياة الترف مما يؤكد ان الحملات التي تقودها بعض الدول الاوروبية ضد المهاجرين العرب لها اسبابها ومبرراتها لان بعض اولئك تركوا بقعة سوداء في الثوب العربي الناصع البياض.. وما الحملة التي قادها لوبان الذي كان مرشحاً للرئاسة الفرنسية الا افراز حقيقي لما عاناه الفرنسيون من بعض المحسوبين على العرب، ويا للسخرية فان الخوف في بلاد الفرنجة اصبح مصدره بعض العرب من المخالفين لقوانين الهجرة والاقامة هناك. اذن الحيطة والحذر مطلوبان من كل راغب سفر الى اوروبا لتمضية عطلته السنوية هناك. ثم عدت ثانية لاقول ترى لو لم اكن مع عائلتي في رحلتي ماذا كان سيفعل الزمن بي وكيف سيكون مسار حياتي؟ أسئلة وأسئلة عديدة احتشدت في رأسي والحقيبة المفقودة لا اثر لها والوقت يمر وانا بين أمرين احلاهما مر!