اذا كانت الارقام تفاجئنا اليوم بالحقائق التي تدحض اية شكوك، فان الارقام ايضا تضع امام اعيننا المؤشرات، وحالات هذه الارقام الصادمة كثيراً، ما تحول تلك الاشارات الى شيء فوق القلق والخوف.. ان علم الاحصاء ما كان له ليتربع في مكانته الحالية بين بقية العلوم الا لانه يأتي الى الحقائق من بابها الواسع ليكشفها ويفضحها ايضا.. ما نسبته 51.4 بالمئة من عدد المنشآت العاملة في المجتمع وهمية، وهناك 540 الفا من العاملين العاطلين المتسكعين في طرقات البلد، اي ما يقارب نصف المليون انسان يهيمون صباحا ومساء على وجوههم بيننا. غير تلك الارقام والنسب التي جلبها التقرير النهائي للجنة التي شكلها مجلس الوزراء لدراسة ترشيد تراخيص مزاولة الانشطة الاقتصادية في اسواقنا، هناك نصف مليون كارثة بين تلافيف الحقيقة التي تكشفها.. 180 الف منشأة وهمية، هكذا تدون الخطورة في صفحات تقرير اللجنة، ولعل حقيقة ذلك التقرير ليست بجديدة على العارفين والمطلعين بأمر التركيبة السكانية، وبأمر سوق « الفيز» وتجار الاقامات وبطاقات العمل.. نصف مليون عامل تم جلبهم من بلدانهم لا لشيء الا لان هناك من ينتفع من وراء مجيئهم، ومن اقاماتهم، ومن جيوبهم، سواء كانت ملأى بالدراهم او فارغة، فالاستفادة تتم فوق او تحت القانون.. التقرير الذي ينتظر ان يعرض على مجلس الوزراء لم يكتف ايضا بوضع الارقام والحقائق، لكن اعضاء اللجنة الذين امتحنوا انفسهم لجلاء تلك الحقيقة، طالبوا بأشكال وانماط من الطرق التي تكفل تخليصنا من هذا الوهم الحقيقة، فحصوا بعناية جميع السبل التي قد تحقق شيئا في ترشيد الحاجة الى العمالة، وقالوا بالاتجاه الذي قالت به كل الاصوات الوطنية، من ان الحل يأتي في الذهاب الى خطط تعتمد استثمار معطيات الحداثة في هذا المجتمع المتحضر. عامل واحد على مستوى عال من الكفاءة بألف عامل متخلف وامي، وجمعية بأحدث النظم تكفي عن الف بقالة تبيع المرض وجراثيمه.. وعلى منوال هذا، فالمجتمع قادر على التخلص من ازدحام الزوائد والهوامش.. وضع التقرير مع الحقيقة المرة شيئا من هذا القبيل. الا ان القضية الان، قضية نصف مليون عاطل عن العمل، وقضية عدد مهول من المنشآت الوهمية التي تجلب المزيد من العمالة وتسهم في تغريب المجتمع وتعقيد تركيبته السكانية، وقضية انظمة واساليب كثرت ثغراتها وكثر متجاوزوها، وقضية اخرى خلف الكواليس يبدو ان التقرير قد تخلى عنها، او انه طالها لكنه لم يعلنها.. وسواء كشف التقرير حقيقته المرة كاملة ام لم يكشفها، فان الحقيقة التي يجب ان نتحملها حينما نواجه وجه الوطن، وحينما نخاف عليه وعلى مقدراته هي ان نعترف كامل الاعتراف، بالارقام الاحصائية، او باسلوب العد البدائي ان هناك من استفاد ويستفيد من نصف المليون المتسيب في شوارع الوطن.. هناك من هم يركلون القانون بأحذيتهم ويركلون مستقبل البلد كله في سبيل ان تمتليء جيوبهم بملايين الدراهم.. ونعتقد ان تقرير اللجنة كان ينقصه هذه العبارة الصريحة «ابحثوا عن تجار الاقامات الحقيقيين يستقيم امر ترشيد العمالة»!!