أذكر شاباً من المواطنين ذهب الى اميركا لدراسة علم ميكانيكا السيارات وهو من خريجي المدارس الصناعية بالدولة، تخرج من تخصصه بعد سنتين وأراد العودة الى البلد بعدها الا ان نظام البعثات استغرب من وضعه حول كيفية تخرجه بعد سنتين وهو مبعوث لأربع سنوات لهذا التخصص وكان الحل الامثل ان يتابع دراسته في الحصول على مجموعة اخرى من الشهادات في التخصصات الدقيقة في هذا العلم حتى أكمل مدته الرسمية التي لم يكن اصلاً بحاجة اليها، فما ناله خلال السنتين كان كافياً لاداء الدور المطلوب منه لخدمة وطنه، ولكن امام هذه المحنة العقلية في ادارة دفة التربية والتعليم في بلادنا نخسر الكثير اذا لم يتم الاستدراك فوراً. فدور التعليم يكمن في اختصار الزمن لغرس الفكر الريادي والتجاري او الاقتصادي لدى الشباب الذي لديه طموحات كبيرة لخدمة بلده اينما كان موقعه من الاعراب. فبمراجعة شاملة لأهداف التربية والتعليم يمكن الوصول ولو بعد عقد او عقدين الى تلمس الخطوط السليمة لترشيح مفاهيم العمل الخاص لدى الشباب المواطن حتى لا يكون عالة على راتب حكومي لا يتضاعف مع تضاعف العمر وضعفه امام تحديات الحياة المادية الصعبة، فسبل الترقي معقدة في القطاع الحكومي بعكس العمل الخاص الذي قد ينتقل فيه الانسان مباشرة الى صاحب مشروع سواء نجح في ادارته او فشل الا ان الهدف يجب ان يتحقق الا وهو غرس الفكرة ثم انتظار الحصاد. ما هو الغذاء الفكري الذي يتلقاه طلبة المدارس والجامعات في الدول المتقدمة الذين يسعون الى البناء الذاتي قبل أوانه، وخاصة عندما يقرر الشاب بعد سن الثامنة عشرة الانفصال الاجتماعي عن اسرته وفق مفاهيم الحياة الغربية للاستقلال الاقتصادي عن اصل الشجرة الاجتماعية. لسنا هنا في صدد وضع منهج يناسب ما نود ان نصل اليه فهذا من شأن الخبراء والاختصاصيين من اصحاب التخصصات التي يمكن ان يضعوا اللبنات الاولى في التعليم لتعزيز هذا الاتجاه من القاعدة التعليمية الاولية للوصول الى المراحل المتقدمة. البداية في بعض المدارس في بريطانيا تكون في تدريس التلاميذ كيفية التفكير او تعليم التفكير فاذا اجتاز هذا المطب منذ نعومة اظفاره، كان اختياره لمسار حياته العملي سليماً سواء واصل طريق العلم حتى نهايته غير المحدودة او انقطع لظرف ما كما يحدث لأي منا في مجتمعه، فما تلقاه من التعليم يقيه شر الفاقة والحاجة الى الشحاتة، لأن الشحات هناك لا يمد يديه لطلب الصدقة، بل يضع قيثارته في فمه فيطرب جيوب المارة لتخرج دريهمات تسقط في علبته دون ان يطلب ذلك مباشرة. ففي المناهج والثقافة الاميركية يتم تداول العناوين التالية لغرس الفكر الاقتصادي الحاث على العمل الخاص كالمستثمر الصغير او كيف تصبح مليونيراً بدون مال وكيف تصبح صاحب مشروع ناجح او تدريس الرأسمالية للصغار.. وهكذا. فالمحفزات العلمية للطلبة من خلال جرعات المناهج المركزة سابقة لوجود المال، لأن مفهوم رأس المال الاجتماعي مقدم على غيره من المفاهيم، فالموارد البشرية التي تستطيع ان تدير المال القليل اهم من عشرات الملايين الموروثة، والمنثورة يمنة ويسرة لأنه لم يتعب الوارث عليها ولم يحلم يوماً ما بها فيهون عليه اضاعتها. مناهج التربية والتعليم مسئولة عن تعليم السلوك الاقتصادي الرشيد لمتلقيه وهي التي ساهمت في وجود مخرجات تعليمية في اميركا على غرار بيل جيتس الذي لم يوافق على توريث ابنه الوحيد كل ثرواته التي تقدر بعشرات المليارات. وعندما سئل عن ذلك رد قائلاً، لقد خصصت لابني خمسين مليون دولار فقط لكي يقف على قدميه اما الباقي فإنه تبرعات خالصة لخير البشرية فليس له حق فيها فإن اراد ان يكون مثلي فأمامه الطريق مفتوح، فهذا العقل الانترنتي احد مخرجات التعليم الاميركي الذي لم يكمل مراحله لأنه استطاع ان يكتشف طريقاً اسرع للوصول الى مبتغاه ومن ذلك ما نلزم به اليوم ابناءنا في مدارسنا من اجل اتقان صفة بيل جيتس الاستهلاكي وليس الابداعي او الاختراعي!!