على الفور وبلا تردد قبلت الدعوة الكريمة للانضمام لاسرة استراحة البيان وليس لمثلي ان يتردد في قبول شرف كهذا وكان من حسن الطالع ، ان تتزامن الدعوة الكريمة مع اطلالة بطولة كأس العالم لكرة القدم وهي تنطلق لأول مرة خارج اوروبا وأميركا ويبدو ان بطولة كأس العالم لا طاقة لدولة من خارج اوروبا والاميركتين بتنظيمها حتى وان كانت هذه الدولة كوريا الجنوبية او اليابان لهذا جاء قرار الاتحاد الدولي للعبة غير المسبوق بتنظيم البطولة السابعة عشرة بالتقاسم بين دولتين من اسيا هما كوريا الجنوبية واليابان، وكوريا اولاً لأن ملاعبها شهدت الافتتاح واليابان ثانياً لأن فيها سيكون الختام وتسليم كأس البطولة. المكسيك هي الدولة الاكثر حظاً مع البطولة ليس للفوز بها ولكن لاستضافتها مرتين فقد استضافتها في العام 1970 وبعدها بستة عشر عاماً فقط حظيت باستضافة ثانية في العام 1986 اما الدولة الثانية والتي نظمت البطولة للمرة الثانية هي ايطاليا ولكن بعد 56 عاماً من المرة الأولى والتي كانت في العام 1934 فازت ببطولة الاولى واخفقت في الثانية واحتلت المركز الثالث، من حق الاتحاد الدولي لكرة القدم ان يعتبر نفسه امبراطور الكرة الارضية كيف لا ونشاط اللعبة التي يشرف على تنظيمها بين دول العالم تحظى بكل هذا الاهتمام والمتابعة من الكبير الى الصغير ومن الغني الى الفقير ومن الامير الى الغفير، لهذا ليس غريباً ان يتصل جاك شيراك رئيس الجمهورية الفرنسية بعد خسارة منتخب بلاده من المنتخب السنغالي الذي يلعب كل افراده في الاندية الفرنسية عدا حارس المرمى الاحتياطي «كلسخو كالو» رقم 22 وتحدث شيراك عن دعمه ومساندته وثقته ووقوفه مع الفريق، وقد جاء اتصال الرئيس بعد المباراة الافتتاحية مباشرة ليرفع من معنويات منتخب بلاده ويشد من ازره لأنه متيقن تماماً من اهتمام الشعب الفرنسي بالبطولة وبمدى تأثيره وحزنه من خسارة الافتتاح خاصة وانها جاءت بأقدام لاعبي السنغال الذين كانوا في يوم من الايام تلاميذ في مدرسة الكرة الفرنسية الا ان هذا الاتصال لم يكن كافياً بالقدر الذي يساعد حامل لقب كأس العالم لاجتياز محطة الاورغواي ولم يودع حتى اليوم سوى نقطة واحدة فقط في رصيده وهي غير كافية تماماً لحفظ ماء وجهه بل هو عجز عن تسجيل اي هدف في مرمى المنافسين على مدى 180 دقيقة واليوم يتحدد مصير البطل الفرنسي في لقائه مع المنتخب الدانماركي واذا لم يحقق المنتخب الفرنسي فوزاً صريحاً وبفارق اكثر من هدف في لقاء اليوم مع الدانمارك فإنه سيجد نفسه خارج البطولة لا محالة(!). ولأن الشيء بالشيء يذكر فإن ما يسمى حجب اللعبة الشعبية الاولى في العالم عن عشاقها ومحبيها غير القادرين على برنامج ادفع تشاهد فإننا في الامارات وحتى العام 1970 وهي البطولة التي اقيمت في المكسيك فإن متابعتنا لكأس العالم كانت محدودة للغاية ويكفي ان الدولة بأسرها لم يكن فيها ارسال تلفزيوني في ذلك الوقت وبدأت من العام 1970 لأن في هذا العام كنا نلتقط ارسال بعض المحطات في الخليج كطهران والظهران واحياناً تلفزيون الكويت عبر هوائيات بسيطة وكان حال الطقس يتحكم في وضوح الرؤية ولا تظهر القناة صافية الا بكثافة الرطوبة ومحبو الكرة والبطولة يسعدون كثيراً بشدة الرطوبة لأن معها يمنون انفسهم بمشاهدة ما تنقله هذه المحطات القريبة من مباريات البطولة، في هذا العام تحديداً بدأت البطولة في 31 مايو من العام 1970م كما هو الحال في بطولة هذا العام واتذكر ان بطولة العام 70 واثناء ادوارها التمهيدية سافرت اول بعثة كروية تخرج خارج الدولة وكانت بعثة نادي الوحدة الرياضي قبل ادماجه مع نادي الشباب وسافرت البعثة الى الجمهورية العربية المتحدة بناء على دعوة كريمة من المهندس عثمان احمد عثمان رئيس النادي الاسماعيلي (رحمه الله) وترأس البعثة السيد ناصر عبدالله حسين رئيس نادي الوحدة وغادرت البعثة على الخطوط الهندية وكانت الشركة الوحيدة التي لها رحلة مباشرة بين دبي والقاهرة مرتين في الاسبوع واستقرت البعثة في فندق كابس في شارع رمسيس في قلب العاصمة المصرية المهم ان متابعتنا لكأس العالم تواصلت في القاهرة خاصة وان الوسائل الاعلامية التي تتيح لنا المتابعة متوفرة بصورة اكبر مما كان عليه الحال في بلادنا وكان يتردد علينا الاستاذ محيي الدين فكري صديق شخصي للكابتن محمد صديق رحمه الله مدرب الفريق وهو صحفي معروف يكتب لمجلة «المصور»، فكان يمدنا بأخبار كأس العالم وصادف انه في يوم المباراة النهائية التي جمعت بين ايطاليا والبرازيل سمح لنا بالذهاب الى السينما وكنا مجموعة من اللاعبين بصحبة الاخ قاسم سلطان وعدد من الاداريين لا مجال لحصر الاسماء المهم اننا خرجنا من السينما بعد منتصف الليل او عنده وبمجرد خروجنا الى الشارع واجهتنا صيحات بائعي الصحف التي كانت تتعالى وتتسابق «اقرأ «الجمهورية» البرازيل تفوز على ايطاليا 3/صفر، وآخر يصوت اعلى اقرأ «الاهرام» البرازيل تفوز على ايطاليا 3/1، واخر من بعيد اقرأ «الاخبار» البرازيل تذبح ايطاليا، بصراحة لم ننتبه للتضارب في النتائج التي يروج بها الباعة صحفهم وبلا تردد تسابقنا في الشراء الواحد منا يشتري اكثر من صحيفة، خاصة وان الصحيفة يومها كانت بـ 15 مليماً اي قرش ونصف ولكن قرش ذلك الزمان كان قرشاً ابيض وعلى عجل الكل يقلب الصفحات ليقرأ النتيجة ولكن لم نجد غير التقديم للمباراة وصرنا نسأل بعضنا أين النتيجة حتى رأينا ابتسامة ابو صلاح وهو يقول «يا جماعة المباراة تلعب الان هل نسيتم فارق التوقيت!!»، وشربنا جميعاً بدون استثناء المقلب لكن النتيجة لم تخرج عن صيحات بائعي الصحف وكانت فوز البرازيل 4/1. بعد العام 1970 بدأت متابعتنا الدائمة والقريبة والمتفحصة لكأس العالم وفي تقديري الشخصي ان الطريقة التي اتبعت في تنظيم بطولتي العام 1974 والعام 1978 كانت رائعة ومنصفة واتاحت لمحبي اللعبة في العالم متابعة افضل 16 فريقاً في العالم بالشكل المناسب الذي اتاح لجميع الفرق حق التعبير بصورة ملفتة عن مستواها فكان الدور التمهيدي يلعب بنظام اربع مجموعات يصعد من كل مجموعة فريقان وفي الدور الثاني تقسم الفرق الثمانية الصاعدة الى مجموعتين مرة اخرى كل مجموعة أربعة فرق، بعد العام 1978 في الارجنتين بدأت المزايدات الانتخابية من اجل زيادة عدد الفرق في النهائيات على اعتبار ان اسرة اللعبة زاد افرادها وكثر عددها ومن هذا الباب كانت بطولة العالم 1982 في اسبانيا بمشاركة 24 فريقاً، الا ان الامر لم يتوقف عند هذا الحد ومن باب اضافي اخر دخل الاتحاد الدولي في مسألة زيادة رقعة المباريات حتى يتمكن من بيعها بسعر اكبر ويتاجر بتسويقها بصورة افضل ويصبح العائد على امبراطورية اللعبة لا يقدر بثمن وهكذا وصل العدد الى 32 فريقاً يخرج منها 16 فريقاً في الدور التمهيدي بعد ثلاث مباريات يلعبها كل فريق وفي الدور التالي يخرج ثمانية فرق بعد مباراة واحدة وهكذا ضاعت المتعة الحقيقية التي كنا نشعر بها سابقاً وطحنت بين فكي الانتخابات وثراء الفيفا. وعلى ذكر الانتخابات فإن ما شهده مسرح الفيفا في دور انعقاد الجمعية العمومية قبل كأس العالم واثنائه بصراحة شيء يندى له الجبين لأن الهيئة التي تطالب اللاعبين باللعب النظيف داخل الملعب كان لاعبوها اول من مارس اللعب غير النظيف خارج الملعب وهي عبارة ربما تكون مخففة بدرجة كبيرة عما كان الحال عليه وقد تابع العالم بأسره الروح غير الرياضية التي تحلى بها بعض لاعبي الهيئة الدولية، والغريب ان بعضنا حاول بصورة مفضوحة ان يصنف نفسه مع الفريق الذي اختار ان يلعب لعباً غير نظيف لتحقيق اهدافه ويبلغ مراده فجاءت النتائج ساحقة وماحقة واثبتت بما لا يدع مجالاً للشك اننا لا نملك من الشفافية الحقيقية التي نتحدث عنها ما يمكننا من فهم ما يدور حولنا ويبقى كلامنا ومعرفتنا بالشفافية لا يتعدى معرفتنا بطل الدوري العام لهذا الموسم في الامارات!!