أصابتني حالة من الدهشة والتعجب حينا قرأت مقال الاستاذ رجاء النقاش في عموده اليومي بصحيفة «الوطن» القطرية يوم الخميس 30 مايو الماضي، والذي كتبه تحت عنوان «اعتراف بالغ الاهمية» ومصدر دهشتي وتعجبي لم يكن فيما كتبه الاستاذ النقاش فقط، وانما في كونه كتب عن حالة خاصة به لكنها بالتمام كانت مثل ما حدث لي عدة مرات خلال العامين الماضيين مع اختلاف بسيط في الشكل والاسلوب والمصير. وحتى لا اغرق القاريء في مزيد من الترقب والتخمين، فقد بدأ الاستاذ النقاش عموده قائلا: «لي صديق كريم ممن يعرفون بعض «بواطن الامور» كما يقال وقد جاءني هذا الصديق منذ ايام ناصحا ومحذراً، وكان موضوع حديثه معي هو العمليات الاستشهادية وضرورة التوقف عن تأييدها او الحديث عنها بالتعاطف معها، أما الاسباب التي وضعها هذا الصديق أمامي، فليست سياسية ولا دينية، ولكنها شخصية، فقد قال لي هذا الصديق: «ان الذين يؤيدون العمليات الاستشهادية علنا في الوقت الراهن هم موضع شك ومراقبة دقيقة من اجهزة امن دولية اصبحت لها اصابع في العالم العربي وتتخذ قرارات بمعاقبة الذين يؤيدون هذه العمليات أو يظهرون المساندة لها بالقول أو بالعمل. وواصل الاستاذ النقاش حواره مع صديقه مؤكداً انه صاحب قلم والكتابة هي مهنته الوحيدة التي «لا يملك ولا يعرف مهنة سواها»، إلا ان النقاش تطور بعد ذلك ووصل الى الحد الذي وصف له صديقه بعض العقوبات التي يمكن ان يتعرض لها والتي تدرجت من الضربات المتلاحقة والافتراءات من هنا وهناك والتي لا يعرف صاحبها من أين تأتي ولا لماذا يتعرض لها حتى وصلت الى «التعرض للموت بالصدفة في حادث سيارة، وينتهي الامر بتسجيل الحادث على انه من باب القضاء والقدر». هذه خلاصة ما ذكره الاستاذ النقاش في اعترافه البالغ الاهمية والذي اشار في تعليقه الى انه جزء من حرب نفسية على كل اصحاب الاقلام الحرة حتى يعيشوا في الخوف والرعب ويكفوا عن كتابة وقول ما يرونه في صالح امتهم وشعوبهم، وقد أحيا الاستاذ النقاش في نفسي بعض ما أتعرض له واقابله عادة بالضحك والدعابة دون ان امنحه من تفكيري أي وقت، لاني أؤمن بأن العمر والرزق بيد الله وليس لأي من البشر فيهما نصيب، كما اسعى للقيام بعملي بحرفية ومهنية عالية على قدر ما استطيع، وادرك ان الصحفي اذا عاش في الخوف لحظة واحدة فإنه سوف يتوقف عن الابداع والعمل ويتحول الى واحد من هؤلاء المنهزمين الذين يملأون وسائل اعلامنا كما ان مهنتنا هي مهنة الموت والمخاطر وهناك عشرات الصحفيين يموتون كل عام في انحاء مختلفة من العالم وفق تقارير الجمعيات الصحفية الدولية وهم يبحثون عن الحقيقة او يدافعون عنها. واذا كان الاستاذ النقاش قد تعرض لموضوع واحد مما يتناوله بالكتابة، فإني اتعرض لذلك في كثير مما اتناول من موضوعات. واعتقد ان كل صاحب قلم أو قول حر وشريف سوف يتعرض لمثل هذا في الأيام المقبلة ان لم يكن قد تعرض بالفعل، فرغم ان الكتابة والكلام لا يحركان شيئاً في عالمنا العربي إلا أن هذه المهنة ربما اصبحت مع الهيمنة الاميركية المتصاعدة مهنة تجلب المشاكل والحياة المخيفة لاصحابها حتى لو تجاوزوا الستين عاماً مثل الاستاذ النقاش أو كانوا شباباً مثلنا، حتى أني قيل لي بالحرف الواحد مرات عديدة من أناس أقدر حبهم لي وخوفهم علي «إنك كثير الاسفار ومن السهل الآن رصد كل تحركاتك حتى وانت في دورة مياه غرفة نومك في الفنادق التي تنزل بها، ومن ثم يمكن التخلص من امثالك بوسائل كثيرة مأمونة دون ان تثير اي شبهات لتسجل في النهاية تحت بند القضاء والقدر، ومنها ان تنتهي حياتك تحت عجلات سيارة او تكون انت وسيارتك تحت عجلات شاحنة وما اكثر حوادث الشاحنات في هذه الايام؟!» وهو ما قيل للأستاذ النقاش مثله، اما ما قيل له عن التدرج في الضربات المتلاحقة فمنها بعض الحملات التي يتعرض لها الشرفاء من الصحفيين حينما يفتحون بعض الملفات، وقد تعرضت للعديد منها دون اي تناول للجوانب المهنية لعملي بالنقد والتحليل ـ وهو ما اشكر اصحابه دائماً عليه حتى وان كانوا قساة بل اني انشر بعضه وافخر به كما فعلت في كتاب الجزيرة عن شهادة جيهان السادات ـ وانما كلها تدخل تحت اطار التجريح الشخصي والتشكيك حتى في الانتماء للوطن، وكأن صكوك الوطنية اصبحت تمنح للشرفاء من امثالنا من اولئك المشبوهين والمنافقين وأزلام الطابور الخامس وحماة الفساد. وكان آخر تلك الحملات اني حينما سعيت لفتح ملف اللصوص الذين نهبوا اموال البنوك وهربوا بمليارات الشعب المصري للخارج، وذلك من خلال استنادي لتقارير الصحف والمؤسسات الرسمية المصرية ومنها البنك المركزي المصري، فوجئت بشركاء اللصوص وحماتهم والمنتفعين والمستفيدين من ورائهم ينفثون سمومهم ويبثون احقادهم علي وعلى قناة الجزيرة من خلال حملة شاملة، ووصل الامر بهم ان وصفوني بعدم الوطنية، بل ان بعض المتواطئين مع اللصوص ضد مصلحة الشعب المصري وضد ثرواته التي نهبت وصل بهم الحد الى ان طالبوا باسقاط الجنسية المصرية عني لصالح لصوص تخلوا عن الجنسية المصرية واحتموا بجنسيات اخرى وهربوا بأموال الشعب والبلاد للخارج، رغم ان لحمي ودمي وعظامي معجونة بتراب مصر ولم يصدر عني اي قول او فعل فيه مساس ببلدي طوال حياتي المهنية، بل ان امثالي ـ وهم كثيرون ـ بشهادة الجميع يشرفون كل مصري بسيط شق طريقه في النجاح والحياة دون صناعة من احد او قرابة مع مسئول او صاحب نفوذ وذلك من خلال مهنتي وما أقدمه واقوم به من اعمال واكشفه من حقائق تخدم الناس وتخدم مصالح الوطن والأمة، واشرف مهنتي بما يشاهده الجميع، وفوق كل هذا فجنسيتي المصرية التي اشرف بها في كل مكان ليست هبة من احد علي حتى يجرؤ بعض شذاذ الآفاق ليطالبوا بإسقاطها عني وكأنها وهبت لي من احد، ان تراب مصر مخلوط بدماء آبائي واجدادي يا حماة اللصوص، هل كل هذا لأني تجرأت وفتحت بالأرقام والمعلومات ملف أموال الشعب المصري التي نهبها اللصوص وفروا بها خارج البلاد؟ وانا هنا لا ادافع عن نفسي لاني والحمدلله لست في موضع شبهة او اتهام، وانما فقط استشهد ببعض الوسائل التي يقوم بها ازلام الطابور الخامس في وسائل الاعلام حينما يدلسون على الشعب ويقلبون الحق باطلا والباطل حقا ويسعون للنيل من الشرفاء ودعاة البحث عن الحقيقة، لصالح اللصوص الذين نهبوا اموال الشعب من البنوك. ورغم ان مثل هذه الحملات نتابعها عادة بالضحك والتسلية والدعابة والسخرية لان مردودها عادة ما يكون في صالحنا وغالبا ما تنقلب الى دعاية ايجابية، لان الناس في النهاية وان خدعت قليلا في البداية تشاهد وتقرأ ما نقدم وتدرك بعدما ترى اعمالنا من هم اصحاب الحق ومن هم على باطل ومن هم الاصلاء والشرفاء والوطنيون ومن هم الافاقون والعملاء واللصوص كما اننا نعمل وفق اصول واسس مهنية في مؤسسات راقية يقدرنا القائمون عليها ويشجعون جهودنا ويدافعون عنا ويحموننا بكل الوسائل حتى لا نلتفت لهذه التفاهات ونركز على اعمالنا وان تظل مؤسساتنا دائما ناجحة. علاوة على ذلك فانى قد قررت الا انجرف في حياتي المهنية الى اية مستويات دونية او معارك جانبية تستنزف جهدي وطاقتي وتصرفني عن الدور الحقيقي الذي ينبغي لكل اعلامي ووطني حر وشريف ان يقوم به، وهو ان يعيش لقضايا وطنه وامته ويسعى لتقديم الحقيقة الى الناس بعيدا عن التدليس والمهاترات والاكاذيب والخداع، مع قبول كل نقد مهنى وعلمي يساعد على الارتقاء بالاعمال وتلافي السلبيات التي يقع فيها عادة كل من يعمل بجد مهما كان أداؤه، وان احرص دائماً ان ابقى كبيراً بأعمالي فيما هم يصغرون باحقادهم وضغائنهم وحقدهم وحسدهم وسمومهم التي تقطر بها اقلامهم وألسنتهم، وتبقى دائما انفس الانيس سباع كما قال المتنبي الذي علمنا ايضا ان ننام ملء جفوننا عن شواردها فيم يسهر الخلق جراها ويختصموا. واني اذ اشد على يد الاستاذ النقاش فيما كتب فانه ينبغي الا يمر ما كتبه مرور الكرام على كل صحفي عربي حر وشريف، فالجميع سوف يؤكلون حينما يؤكل الثور الابيض وينبغي الا تتحول الامور الى قضايا فردية يروي كل واحد فينا ما يتعرض له من معاناة او ضغوط او تهديد، او ننتظر لنشاهد الاقلام الشريفة تتهاوى وتسقط الواحد تلو الآخر بوسائل واساليب مختلفة من اعداء الحق والحقيقة ثم نجلس نترحم عليها ولكن ينبغي على الصحفيين الاحرار والشرفاء ان يعملوا من خلال النقابات ومن خلال مواقعهم في وسائل الاعلام الذود عن مهنيتهم وحريتهم والمكتسبات التي حققوها، وان يدافعوا دون ان يطلب منهم احد عن كل صحفي حر وشريف يمكن ان يتعرض لاي محاولة تهديد او ابتزاز لاسكات او خفض صوته او كسر قلمه الذي يذود به عن قضايا امته او محاربته في رزقه او حياته لان اسكات الاصوات والاقلام الشريفة كما قال الصحافي البريطاني الشهير روبرت فيسك ـ في مقال نشرته الاندبندنت البريطانية ونقلته الوطن القطرية في اليوم نفسه الذي نشرت فيه مقال النقاش ـ سيكون سمة المرحلة المقبلة، حيث تعرض فيسك للمطالبة بقتله علنا من احد الممثلين اليهود لانه ابرز من يكتب لصالح الفلسطينيين والانتفاضة، كما يتعرض لعملية تشويه في الصحف الاميركية ولحملات قدح وسباب وتهديد وتأليب تأتيه عبر البريد الالكتروني والى صحيفته. نعيش نحن مثلها دائماً مع محاولات فاشلة لتأليب المؤسسات التي نعمل بها علينا، ولكن مؤسساتنا بالفعل هي التي تحمينا وتشجعنا على ان نبقى دائماً نعمل وفق الأسس المهنية والعلمية ونسعى أن نقدم الحقيقة ونكشفها دائما الى الناس، دون ان نلتفت لهذه الترهات، لأن هذا هو دور الإعلام الحر وينبغي ألا نتنازل أبداً عن كل ما حققناه من مكاسب في هذا الطريق. ومع هذا فإنه يبدو ان الدور سوف يأتي على الجميع لمحاولة التأثير النفسي المباشر على الجميع، لذا فإني أرجو ألا يمر مقالي هذا مرور الكرام على كل صاحب قلم أو إعلامي أو صاحب أو رئيس مؤسسة إعلامية شريف، وأن يتكاتف الجميع لتكون هناك رابطة للصحفيين الأحرار والشرفاء للدفاع عنهم بكل الوسائل وأبرزها الكتابة الني نحترفها جميعاً، وذلك ضد التهديدات التي توجه لهم من أي جهة وأن يتم دعم المؤسسات الإعلامية الحرة والحرص عليها والدفاع عنها قبل ان تدور الدائرة على الجميع، وإذا كانت لها اخطاء فلتعالج بالنقد المهني العالي وليس بالاسفاف والاستخفاف بعقول الشعوب التي نضجت ولن تستمر في قبول الاكاذيب. وان يكون مقال الاستاذ النقاش انطلاقة لهذه الرابطة وان يدرك كل صحفي ان صمته ازاء أي هجوم يتعرض له زميل شريف معناه انه خذله وان الدور سيلحق به إذا لم يتحرك للذود عنه وعن نفسه كذلك دون تأخير. فيا ترى ما هو الصدى الذي سوف يجده هذا النداء؟! ـ كاتب وإعلامي مصري