كتب الوزير الاسرائيلي السابق وأحد منظري عملية السلام في اوسلو وعضو الكنيست يوسي بيلين مقالا في اللوموند دبلوماتك بعنوان «نعم، يوجد شريك لاسرائيل من اجل السلام»، والمقال يحث القيادة الاسرائيلية على عدم التخلي عن عرفات كشريك في عملية السلام ويرى التمسك به والحوار معه لمصلحة اسرائيل واقتصادها واستقرارها، وسآخذ مما كتبه بعض الفقرات المهمة. فهو يقول: «واليوم بعدما وجدت اسرائيل هذا الشريك ـ يقصد عرفات ـ من الافضل ان لا تتخلى عنه بهذه الخفة ..... كان العاهل الاردني الراحل الملك حسين هو المؤهل في صورة طبيعية للسيطرة على الضفة الغربية بعد حرب 1967، وقد اقترحت عليه حكومات ليفي اشكول وغولدا مائير واسحاق رابين المتعاقبة عقد اتفاق تتم بموجبة اعادة 70 في المئة من الضفة، لكن الملك لم يوافق على اتفاق قائم على انسحاب كامل للقوات الاسرائيلية من هذه المنطقة، وبعد مرور عشرين عاما أي في 31 يوليو 1988، اعلن في خطاب تاريخي انه يتخلى عن أي مطامع له في الضفة الغربية ويوافق على اقامة دولة فلسطينية فيها». يتابع يوسي بيلين ويقول: خلال ا لمفاوضات التي اجريت بين 1978 و 1979 مع الرئيس المصري انور السادات حول مستقبل سيناء، اقترح السيد مناحيم بيغن رئيس الوزراء الاسرائيلي انذاك، اعادة قطاع غزة الى مصر لكن السادات رفض هذا العرض السخي معلنا انه يتخلى عن القطاع للفلسطينيين، اجرت اسرائيل محاولات اخرى مع محاورين اخرين وكانت حتى آخر الستينيات ومطلع السبعينيات لا تزال تأمل في استعداد وجهاء محليين في الضفة الغربية للاضطلاع بدور وطني، لكن هؤلاء الوجهاء من امثال الشيخ الجعبري رئيس بلدية الخليل رفضوا العرض....». عندما تبدأ الامور خطأ فإنها تبقى كذلك، فتاريخنا في ادارة الصراع مع اسرائيل كان خطأ منذ البداية، لقد تم النظر للقضية الفلسطينية على انها إدارة او مؤسسة قد تدر ربحا وليس على اساس انها ازمة ومشكلة، فالصراع على قيادتها وادارتها والتحكم في اموالها كان هو الشغل الشاغل للقيادات العربية المتنفذة في ذلك الحين وكان يتوجب على القيادات الفلسطينية الدخول تحت عباءاتها واعلان الولاء لها قبل ان تجد لها مكانا في هياكل المنظمة وتفرعاتها المعقدة . لم تكن تخلو اجنحة المقاومة الفلسطينية من كل عيوب العالم، فالاتحاد السوفيتي لديه رجاله وعناصره الحمر، والصين تحرك تلاميذها المعجبين بماوتسي تونغ، واسرائيل تتحكم في شريحة تتجسس لصالحها معجبة بالدولارات الخضر وبالتسهيلات التي يقدمها الشين بيت والموساد، والدول العربية تمول هذا الفريق او ذاك، واصبحت القضية الفلسطينية كالطبخة التي يتناوب عليها العديد من الطباخين ذوي الاذواق المختلفة، حتى فسدت . في لقاء اجرته محطة سي بي اس الامريكية مع الرئيس عرفات في اواخر عام 2000 قال الرئيس مخاطبا الصحفي: «انا ارجوكم وقف هذه المأساة .... انا اسأل الشعب الامريكي، والمجتمع الدولي لانقاذ عملية السلام» ولكن لا الشعب الامريكي ولا المجتمع الدولي قام بما يريده عرفات، واستمرت الازمة في التفاقم واستمر العرب في خسارة الاعوان والانصار بسوء ادارتهم لازمتهم . إن الرئيس عرفات الذي كان يخاطب ذلك الصحفي طالبا منه انقاذ عملية السلام، كان هو نفس الرجل الذي وقف بكل عزة وعلى محياه ابتسامة غامضة امام اجتماع الجميعة العمومية في الامم المتحدة في نوفمبر عام 1974 قائلا: «لقد اتيت اليكم حاملا غصن الزيتون في يد وبندقيتي في يد، فلا تجعلوني اسقط غصن الزيتون من يدي»، من الواضح الان ان البندقية سقطت وغصن الزيتون قد اسقط ايضا، وخرج عرفات بعد كل تلك السنوات الطويلة اسيرا وحيدا في غرفتين مع بعض المخلصين من اتباعه لايملك ان يتحرك بمفرده في نطاق سلطته . لقد اغرت سهولة حل الازمة الافغانية وخروج كرزاي فجأة ليكون بطل السلام في تلك البلاد رئيس الوزراء الاسرائيلي شارون للبحث عن بديل لعرفات او بمعنى اخر اكثر كرازية منه، ولكن هل هذا ممكن؟ لقد حاول عرفات جهده انقاذ عملية السلام، وقبل الكثير من الرؤوس والقدود لتحقيق ذلك، ولكن المشكلة ليست عرفات بل الازمة الفلسطينية المعقدة، وكثرة المشاركين فيها وتنوع معتقداتهم واهدافهم، ونحن العرب لم ولا نملك رؤية واضحة لحل الازمة فنقاتل معارضين التقسيم ثم نطالب به، ونقاتل معارضين قراراً ما، ثم نطلب تطبيقه، ترمي علينا اسرائيل غزة والضفة ونردها ثم نؤيد السلطة التي تريدها، فلنحدد مانريد ثم نجلس مع الاخرين بدلا من ان نحطب بليل . ـ رئيس تحرير «الجزيرة نت» Qatar877@hotmail.com