تذكرنا اجواء يونيو الحالية بأجواء الشهر نفسه منذ 35 عاماً فأولئك المخضرمون الذين عايشوا احداث عام 67 يذكرون أن القدر الاكبر والاكثف من اللوم فيما يتعلق بالهزيمة الكبرى في ذلك العام، قد تفجر في وجه الاتحاد السوفييتي، الذي قال عنه الاعلام العربي وقتها «انه قد خذلنا، ولم يحارب معنا»! وبينما كان الجنود العرب عائدين من جبهات القتال باتجاه عواصمهم، وهم يحملون هزيمتهم فوق ظهورهم وفيما كانت قوات «جيش الدفاع» تندفع منتصرة باتجاه القرى والمدن العربية التي هزمت جيوشها، كان الاعلام العربي يكيل اللوم للحليف الذي خدعنا، وتركنا نواجه العدو «وحدنا»! لم يوجه احد اللوم لواقع كئيب محبط وسياسات تغفل لغة العصر، ولم ينتقد احد ان الاستعداد للحرب اقتصر على الحماس والخطب، وان «النظام العربي» كان يعاني هشاشة هيكلية في بنيته العسكرية والسياسية، واكتفى الجميع بتوجيه قبضة اللوم والانتقاد اللاذع للحليف الذي تقاعس عن نجدتنا، وكأننا نحن العرب كنا نتعاطى السذاجة السياسية الى حد اعتقادنا بأن الشعوب يمكن ان تخوض حروباً نيابة عن شعوب اخرى (!)، وهذه سمة تنفرد بها ثقافتنا العربية، فهي وحدها، دون الثقافات الاخرى على اتساع جغرافية العالم السياسية، تنتظر من الآخر ان ينوب عنا في الاضطلاع بما ينبغي ان ننهض نحن به، ونتمنى عليه ان يخوض صراعاتنا ويحل جميع مشاكلنا بالوكالة عنا (!) وتتكرر الصورة اليوم، في لوم جهة دولية اخرى على الاخفاقات التي تحيط بنا، وهي هذه المرة الولايات المتحدة، ففي ملفين كبيرين، ـ على الاقل ـ الملف الاول الاوضاع العربية الداخلية، والثاني الملف الفلسطيني، يتواصل لوم الولايات المتحدة دون توقف في كل الحالات دون النظر الى الحقائق الموضوعية المحيطة. ثقافة العجز في الملف الاول: الاوضاع العربية الداخلية، هناك فريقان تقريبا يصبان اللوم على الاميركيين وعلى سياستهم لما حل ويحل بنا من نكبات في الداخل، الفريقان كلاهما مغرقان في التمني، متوحدان في الوسائل ولكنهما متناقضان في الاهداف وان كانا كلاهما ينتميان الى الثقافة نفسها، ثقافة العجز عن رؤية الواقع، والتوجه المرضي لتحميل الآخر مشكلات النفس. الفريق الأول الذي يظهر نقداً للولايات المتحدة في الكثير من الكتابات والاندية السياسية يلوم واشنطن على انها لم تقدم لنا «الديمقراطية» وصرفت النظر عن الممارسات غير الديمقراطية في مجتمعاتنا، بل ويذهب هذا الفريق الى القول ان من واجب اميركا ان تغير النظم السياسية التي نعيش في ظلها، حتى نتمكن من ممارسة الديمقراطية والحياة المدنية الحديثة التي تبشر بها وحسب ما نرغب، فهي «حسب ادعائهم» لا تقوم بالجهد اللازم أو العمل الجاد على تصدير ثقافة الحرية والتعددية والشفافية، وبالتالي فإن هؤلاء الاميركيين يستحقون اللوم لمسئوليتهم «المباشرة» عن كل ما يقع علينا من ظلم! والفريق الثاني هو المدرسة النقيض للفريق الاول في الخطاب السياسي، وهي التي تقول ان الاميركيين يصدرون لنا ثقافة وسياسة مناقضتين لثقافتنا، فهم يريدون لنا «الحرية» بمعنى التحرر من القيود الاجتماعية ويريدون لنا الاذعان لأذواق الافلام والحياة الاميركية والعيش على شاكلتها، وأن نؤمن بما يؤمنون به من قيم، وذلك أمر نرفضه، ومن ثم لابد من ان نقاومه بكل السبل، ومنها «حسبما يرون» تتبع المصالح الاميركية لضربها في كل مكان! المدرستان، على ما بينهما من اختلافات هما وجهان لموقف واحد وخطاب متوحد، وان تباينت المصطلحات والوسائل، حيث ان الآخر هو هنا الولايات المتحدة التي هي «مانع الخير» أو «مصدر الشر» وهي ـ والامر كذلك ـ متورطة في اغرائنا حتى اخمص اقدامنا، أو ان يديها ملطختان بالاثم عن كل ما منع عنا من خيرات، او ما حصل لنا من شرور! اما في الملف الثاني، وهو الموقف من القضية الفلسطينية فاللوم هنا ينطلق من ان كل ما يحدث في فلسطين هو من نتاج السياسة الاميركية وتنسى هذه المدرسة ـ أو تتناسى ـ ان الموقف الدولي من فلسطين، والسعي الى خلق الدولة الاسرائيلية كانا مجندين من دول عظمى في وقتها، مثل فرنسا وبريطانيا والاتحاد السوفييتي وكل طرف كان ينطلق من اسبابه الخاصة، تبعا للفترة التاريخية المعروفة ولم يحدث الا في الفترة الاخيرة من عمر الازمة ان تدخلت الولايات المتحدة في هذه المسألة المعقدة ولكنها ليست الفترة الاشمل ولا الاكثر تأثيرا في تاريخ الصراع حيث كانت الفترة الاكثر تأثيرا هي فترة خلق الدولة الاسرائيلية، فيما بين الحربين العالميتين، وما بعدها... ولان السياسات الدولية تتغير حسب المصالح والتأثيرات فان الحوار مع الولايات المتحدة في الفترة الحالية هو افضل السبل لايجاد صيغة ما لحل هذا الموضوع المتأزم والمتشابك، اما مناصبتها العداء، والاكتفاء بكيل اللوم لها، فانما ينجم عنهما تعقيد القضية وتراكم السلبيات حولها. ولا ينطلق هذا اللوم والانتقاد للولايات المتحدة من البعيدين عن السلطة وصناعة القرار في الساحة العربية بل تجده في ثنائية غريبة، ينطلق من بعض الفاعلين في السلطة، فمن ناحية يتم التنسيق فيما بينهم وبين الولايات المتحدة عسكريا واقتصاديا وسياسيا وعلى اعلى المستويات بينما من الناحية الاخرى يكثرون في وسائل الاعلام من الانتقاد للحليف الذي خان او الصديق الذي تخلى (!) وهو امر لا يخفى على المراقب انه يطرح للاستهلاك الشعبي وهو ان لم يكن مضرا فهو في ادنى مراحله مربك ومضلل. خلط المفاهيم بمثل هذه المفاهيم تعاني العلاقة مع اميركا الكثير من الخلط، وهو خلط في قاعه العميق ثقافي ينعكس على الفهم والتحليل والممارسة، ويتشكل بأشكال سياسية واجتماعية مختلفة فافتراض ان الدول الكبرى هي القابضة على كل مقدرات الشعوب هو افتراض غير واقعي وغير دقيق، فما يأتي من شر او خير للشعوب هو في قسمه الاكبر من نتائج اعمالها فلم تقف اميركا امام ارادة كاسترو وما يفعله في كوبا مثلا على رغم انها لا تبعد عنها غير بضع عشرات من الاميال (!) ولم تستطع ان تفعل الكثير في ايران نهاية السبعينيات على رغم كل المصالح الاميركية المنتشرة على الاراضي الايرانية وما حولها ولم تقف الولايات المتحدة ضد العراق بهذه الصلابة لولا اعتداؤه السافر على الكويت في اغسطس 90، وربما لم تتدخل في افغانستان بهذه الصورة المباشرة لولا اعتداء الحادي عشر من سبتمبر الماضي. وهناك امثلة كثيرة بهذا الخصوص يمكن الاشارة اليها في الوقت الذي يرد فيه بعض الدارسين ان اميركا هي امبراطورية «مترددة» لا تنتهج مبدأ تقديم مصالحها فوق اي اعتبار، كما كانت تفعل الامبراطوريات السابقة التي كان يحكم علاقاتها مع الغير قوتها ومصلحتها فحسب، فالولايات المتحدة دخلت مترددة الحرب العالمية الاولى وكذلك الحرب العالمية الثانية، بعدما انتصرت في الاولى قدمت افكار الرئيس ودورولسون التي اشاعت للمرة الاولى مفهوم حق تقرير المصير للشعوب وهو المبدأ الذي نالت على اساسه العديد من الشعوب استقلالها، بل فيما يتعلق بالموضوع الفلسطيني استقبلت لجنة 36 الاميركية استقبالا ايجابيا من الفلسطينيين انفسهم مما يؤكد في ذلك الوقت حياد واشنطن النسبي في القضية الفلسطينية. والولايات المتحدة هي التي قدمت لاوروبا خطة وزير خارجيتها مارشال والتي اشتهرت باسمه (مشروع مارشال) بعد الحرب العالمية الثانية الذي انقذ اوروبا (الاصدقاء والخصوم) من المجاعة وشجع اليابان على ان تصبح قوة اقتصادية لا يستهان بها والولايات المتحدة حتى اليوم بسبب تشكيلها العرقي والثقافي ـ تنازعها قناعة التفاعل مع العالم الخارجي وغواية اعتزال العالم والبعد عن القارات القديمة، كما تتفاعل في داخلها ثقافات متعددة، ولم تفتقر يوما الى النقد الذاتي العميق. لا اريد ان اقول ان اميركا هي امة من الملائكة فهذا قول غير منطقي ويفتقر الى النظرة العلمية ولكنها بالتأكيد ليست امة من الشياطين بحيث يمكننا بكل بساطة ان نعلق عليها كل مصائبنا كما حاولنا ان نعلق على الاتحاد السوفييتي بعد 67 ما آلت اليه حالنا من الفشل والهزيمة. الولايات المتحدة اليوم قوة كبرى لها حضور عسكري وسياسي في اكثر بقاع العالم ويستطيع عمالها الزراعيون على سبيل المثال لا الحصر وهم اربعة ملايين فقط ان يغذوا العالم بالمواد الزراعية لو ترك لهم الامر بما تحت ايديهم من اراض خصبة وتقنية عالية، وهي في اوروبا القوة المسيطرة ولولا قوتها العسكرية لما هدأت الحرب الاخيرة في البلقان، وهي موجودة في الشرق الاوسط، ليس في الخليج فقط بل على امتداد رقعة الجغرافيا العربية، ولها حضور اقتصادي في بعض الاقتصادات العربية لو نفضت يديها منه او حتى خففت من عنايتها به لخلفت وراءها فوضى اجتماعية عارمة، ولانحدرت الدول صاحبة هذه الاقتصادات الى درك بائس من التدهور، ولها حضور سياسي وامني بدليل تنسيقها الامني مع السلطة الفلسطينية وتنسيقها القضائي مع بلدان عربية اخرى. كل هذا لايعني تبعية عمياء كما لايعني ان نعكف على لعن الظلام، لمجرد اننا لا نريد ان نرى الواقع كما هو.. انما يعني قياس الامور بمقياسها الصحيح، والسعي باتجاه التفكير العقلاني حتى ندرك انه لا الولايات المتحدة ولا غيرها، يمكن ان تعطينا شيئا لا نشارك نحن في صنعه كما انها لا تستطيع ان تمنع عنا شيئا نحن (العرب) جادون في طلبه (!) فمن الاوفق اذن ان نتعقل في فهم ما حولنا ونحسب حساب المصالح.. اما اشاعة الشعور بالكراهية العمياء دون نظرة موضوعية للواقع وقوانينه فسرعان ما تتحول الى كرة هائلة من النار سيتطاير شررها على الجميع. ـ امين عام المجلس الوطني للثقافة والفنون والاداب ـ الكويت