لا أهتم كثيراً بمباريات كأس العالم الدائرة منافساتها هذه الايام على أرض كوريا واليابان، لكن الواقع الذي اتحرك فيه يجعلني مضطرة للمعرفة والمتابعة واعطاء الرأي احياناً، والواقع هو انني اعيش في مدينة بريطانية يشكل الطلاب القادمون من جهات الدنيا الاربع حوالي 70% من سكانها لانها مدينة جامعية بكل معنى الكلمة.. وبرغم ذلك فان ما يدهش حقاً هو هذه السيطرة العجيبة لهذه اللعبة السحرية على جميع الاهتمامات والاذهان والبيوت والاعمار. اينما تحركت تجد الاعلام البريطانية تزين الشرفات والسيارات والمطاعم، ليس احتفالا باليوبيل الذهبي لاعتلاء الملكة عرش بريطانيا، وانما احتفال بالمنتخب الانجليزي المتصدر لمجموعته حتى هذه اللحظة، واينما تحركت ايضا تجد صورة قائد المنتخب الانجليزي «ديفيد بيكهام» امامك، فالمكتبات الكبرى تضع في واجهاتها اخر الكتب التي صدرت عنه والمجلات تصدر اغلفتها بصوره، والصحف تتسقط كل صغيرة وكبيرة من اخباره. في مطلع هذا الشهر صدرت صحف بريطانيا وعلى صفحاتها الاولى مانشيت وصورتان، اما المانشيت فيقول (في بريطانيا اليوم لا أحد أهم من هذين)!! والصورتان اسفل المانشيت لهذين الشخصين المهمين انهما: الملكة اليزابيث الثانية وقائد منتخب بريطانيا في منافسات كأس العالم: ديفيد بيكهام، الصورتان جنبا الى جنب وبنفس الحجم، الملكة وقائد المنتخب، ولو حدث هذا في أي دولة عربية لفقد رئيس التحرير منصبه وربما اغلقت الجريدة!! الانجليز يخرجون عن برودتهم المعروفة، ويفقدون كل اهتمامهم بأخبار حكومة بلير والضرائب الجديدة، والحرب على الارهاب واخبار القوات البريطانية في افغانستان، وحمى الاسعار، وينسون رداءة الطقس الذي يعانون منه يوميا، ينسون كل شيء حينما يتعلق الامر بمباراة سيخوضها المنتخب الانجليزي، وتتوجه كل القلوب الى شخص واحد، والى قدم واحدة، هي قدم بيكهام!! الغريب اننا في العالم العربي نتحدث عن سيطرة الفرد وعقلية الحاكم المفرد، وننتقد ذلك بشكل مأساوي، بل ويسخر منا الغرب كثيرا، ويصنفنا في خانة التخلف السياسي لاننا مازلنا نرهن اعناق الملايين بمزاج حاكم او شخص واحد، بينما الحالة السياسية الصحية لتطوير المجتمعات واصلاح حال البشرية هي النظام التعددي البرلماني، واذ نتفق معهم في ذلك، فاننا ونحن نتابع مبارياتهم التي ينظرون اليها ويتعاملون معها كشأن وطني بحت نجدهم فرديين حتى النخاع، مؤمنين بسيطرة اللاعب الفرد وبقدراته على حماية سمعة بلادهم، ورفع رايتهم امام العالم، بينما لا تختلف كرة القدم عن السياسة كثيرا، فكله لعب وفن وخطط واستراتيجيات!! ذلك حدث فعلا وهو يحدث كثيرا، فحينما خسر الفرنسيون مباراتهم الاولى امام السنغال، لم يقل احد ان السنغال كانت افضل، بل قال الجميع ان فرنسا خسرت لأن «زين الدين زيدان» اللاعب الاغلى والافضل ونجم المنتخب الفرنسي كان غائبا عن مباراة منتخبه في ذلك اليوم بسبب الاصابة، وعندما خسر الارجنتينيون مباريات كثيرة في الماضي قالت الصحافة ان السبب هو خسارة الارجنتين للاعب الاسطورة «مارادونا» وعندما اصيبت قدم النجم البريطاني «الذهبي» «ديفيد بيكهام» صاحب الصرعات التي لا تنتهي وضع البريطانيون ايديهم على قلوبهم وكادوا يبكون حزنا!! هل يجب ان نعترف بأن هناك اشخاصا مؤهلين للعب دور الاسطورة التي لا تتكرر، سواء كان ذلك في السياسة (وكلنا في العالم العربي نعتقد بأن شخصا كالرئيس عبدالناصر لن يتكرر مثلا) او في كرة القدم او في الاقتصاد او في الحرب او الملاكمة أو الفن أو.. لماذا يصبح الانسان رهين فكرة العبودية تجاه الاساطير؟ لماذا يؤمن بسطوتها ونفوذها واستحالة الخروج على قوانينها أو تكرار شيء مشابه لها؟ انه مع هذه الحالة من الانبهار بالاسطورة «الحكاية او الشخصية او.. يكون هناك فارق خطير بيننا وبين الغرب نحتاج لأن نناقشه طويلا فالغرب يؤمن بأساطيره وربما يقدسها سواء كانت اساطير في الميثولوجيا القديمة أو في الحياة المعاصرة، لكنه في الوقت نفسه ليس لديه مانع في مناقشتها، ومحاكمتها، والحديث عن اخطائها وجمالياتها، ربما لأن الانسان الغربي قد تخلص من الذهنية القائمة على تقديس النص منذ ان انتهج المنهج العلمي الموضوعي القائم على الأدلة والبراهين والتجارب، بينما نسقط نحن كشرقيين وكعرب في اشكالية تقديس النص وتقديس الرموز والشخصيات بشكل تصبح فيه المحاكمة والمناقشة اموراً مستحيلة اذا تجرأ عليها شخص لقي من الهجوم ما لا طاقة له عليه. نحتاج الى ان نتخلص من هذه العقلية، فهي قد جرت وما زالت تجر علينا الويلات تلو الويلات دون ان نحرك ساكناً!!