هل تكفي العاطفة وحدها لتمكن الجميع من التحدث باسم الاسلام، ولتضفي على آرائهم قدسية تحميهم من تحليل آرائهم او وضعها على مائدة العلم والتحقيق؟. سؤال على بساطة اجابته يمتنع البعض عن تأييده، رغم ان الموافقة عليه والتأييد له هي الخيار الوحيد امام سؤال بهذه الخطورة وعلى مثل هذه الدرجة من المسئولية والأهمية. كما ان الاجابة بالنفي عن هذا السؤال تعني الدخول في دوامة مغلقة من الشرور والاثام لا قبل للمسلمين بالولوج فيها ولا التعامل معها!! المشكلة الماثلة بين أيدينا اليوم تتمثل في تلك الشريحة من المسلمين الذين ابوا الا ان يتقمصوا دور المرشد الامين في الوقت الذي لم يستعدوا لأداء ذلك الدور ولم يتأهلوا له على الصورة الصحيحة واللائقة. وازاء التحدث باسم الاسلام، والتصدي لاداء دور النائب والوكيل عنه ممن لا يملكون لاداء ذلك الدور الا العاطفة والحماس، كان لابد ان يتصدى العارفون لوقف هذه الموجة النابعة من داخل المجتمع الاسلامي قبل ان تعم الفوضى، ويختلط الحق بالباطل، على صورة يصعب معها على المسلم البسيط الوصول الى الحقائق، ناهيك عن الاساءة للاسلام امام خصومه التقليديين، والسبب كما قلت ـ هو قلة البضاعة في ميدان العلم الشرعي. أقرب مثال على الاساءة للاسلام ما دار على ألسنة البعض حول قضية التفجيرات الشهيرة في نيويورك التي اهتزت لها الدنيا فقامت على إثرها ولم تقعد، وقلبت بعدها موازين كانت فيما مضى ثوابت لا تمس، واذا بها اول ما يتم الاصطدام به، وأول ما يراد التخلص منه. وأمام هذه الاوضاع الخطيرة يتقدّم بعض البسطاء ليقولوا ان القرآن يؤيد تلك التفجيرات، ويستدلون على ذلك بالاية «109» التي وردت في سورة التوبة، وكأنهم قد تحصل لهم من العلم والمعرفة ما مكّنهم ان يفسروا القرآن على نحو خاص، بحيث انهم فهموا مدلول الايات على صورة لم يسبقهم اليها أحد!! وبذلك التفسير المتسرع يرمون الناس بحجرين: الحجر الاول يرمونه على بوش وزمرته حين يدعون ـ بغير علم ـ ان الله قد بارك تلك التفجيرات التي اصابت الاميركان!! والحجر الثاني يرمون به الجهّال حين يسجلون سبقا علميا مذهلاً ليس له نظير او مثال، الامر الذي يغري البسطاء بالمتابعة والمسايرة والترويج والاشاعة لتلك التفسيرات الخاطئة وهو ما يعد كارثة مزدوجة، ومشكلة مركبة. فان كان انصاف العلماء هم من يقود العامة فكيف سيكون مستوى العلم الذي يقدم في تلك المدارس ذات المستوى العلمي البسيط والذي ينقصه التطوير والبحث والتمتع بالمنهجية في الاستقصاء ومتابعة الادلة للوصول الى الحقائق والبراهين!! وبالرغم من شعوري الخاص انه ليست هناك نيّة سيئة ضد الاسلام الا ان الاحتماء بالعاطفة والحماس دون الامساك بالدليل لا يضعف موقف هؤلاء فحسب بل مع الاسف يضعف موقف الاسلام الذي يتحدثون باسمه. نعم.. ان الاخلاص وحده لا يكفي في مثل هذه المسائل بل لابد من فتح المجال امام اهل العلم والاختصاص. وهم بحمد الله كثر ـ ليقولوا كلمتهم، وعلى جمهور المسلمين السمع والطاعة طالما انهم قد فُوّضوا من قبل اعلى المؤسسات العلمية لبيان وجهة نظر الاسلام في قضايا الحياة فلماذا يتصدى من لم يمتلك ادوات البحث للخوض في أمر يهم جميع المسلمين؟! ان التفسير الرقمي لاحداث نيويورك ثبت بالدليل انه خاطيء فعدد طوابق مبنى التجارة العالمي «100» طابق وليس «109» كما روج المتعجلون والشارع الذي وقع فيه الانفجار اسمه «wall street» وليس جرف هار كما تقول تلك الرواية. ناهيك عن ان الاية «100» في سورة التوبة تتحدث عن المهاجرين والانصار وليس عن اناس في الالفية الثالثة. هذا ايها القراء الكرام ما يفعله الحماس الذي ينقصه الدليل، والقياس على مثل هذا الحدث يكشف الهوة الشاسعة بين تصورات البعض وبين ما هو مطلوب على وجه الدقة والالحاح!!.