غني عن البيان ان نقول ان لغة القرآن الكريم هي لغتنا العربية الجامعة لنا ولأفئدتنا ولعقولنا.. الا ان تعدد اللهجات العربية العامية تؤدي الى حدوث تفاوت في المعاني، واحياناً الى مآزق عند نطق الكلمة الواحدة هنا او هناك ولعل معظم القراء الاعزاء قد تعرض لمثل هذه المآزق سواء في المشرق او المغرب، من ذلك مثلاً ان المصريين عندما يعبرون عن فرحتهم بمكانة شخص او بزواجه يقولون له: «احنا فرحانين بك»، وانظر كيف ينقلب المعنى لدى المصري عندما يسمع احد ابناء بلاد الشام يقول: «نحنا فرحانين فيك» مجرد حرف الجر الذي تغير من «بك» الى «فيك» يقلب المعنى تماماً بحيث يعني بالضبط «احنا شمتانين فيك» وشتان بين الفرح والشماتة. وقد تسبب ذلك التفاوت في المعاني ذات يوم في موقف هزلي ظريف، فقد حكت لي احدى فنانات المسرح المصري المرموقات انها ذهبت لأول مرة مع اعضاء فرقتها المسرحية ذات يوم الى مدينة دمشق لتقديم احد العروض المسرحية هناك وفي وقت فراغهم قرر بعض اعضاء الفرقة ان يتجولوا في انحاء دمشق تجولاً عشوائياً حراً فركبوا احد الباصات ومعهم الفنانة المعروفة آنذاك (لرواد المسرح فقط اذ لم يكن التلفزيون قد دخل سوريا بعد). وكان الباص مزدحماً فاضطروا جميعاً الى الوقوف واخذت الفنانة تتأرجح مع حركة الباص وتتعلق بأي شيء حتى لا تقع، وفوجئت بأحد الركاب السوريين الواقفين بجوارها يصيح في شاب جالس وقد تملكته الحمية والشهامة: «ولك.. قوم خلي المرة تقعد!!». وعقدت الدهشة لسان «المرة» اقصد الفنانة، واربد وجهها وحملقت في صاحب الصيحة ثم انفجرت فيه غاضبة: «بتقول ايه.. مرة؟! يا قليل الأدب.. يا للي.. ياللي.. الخ» وذهل الرجل الطيب بدوره وأسقط في يده.. اذ لم يدر ما سر غضب تلك المرأة وقد اراد بها خيراً.. ولم يدرك الاثنان حقيقة المعنى المقصود بالكلمة، ففي مصر هي كلمة تحقير توصف بها المرأة في خناقة او معركة بين النساء اللائي ينتمين الى طبقة بسيطة معينة، بدلاً من استخدام كلمة «السيدة» التي تحمل معنى الاحترام والتبجيل، بينما الكلمة نفسها في مناطق بلاد الشام (وأقصد بها كل شرق البحر المتوسط العربي) هي كلمة عادية لا تسيء الى احد. ويروي الاصدقاء من هواة السفر الى المغرب العربي طرائف عديدة في هذا المجال منها مثلاً ان عبارة «الله يعطيك العافية» تثير غضب مستمعها في المغرب العربي لأن العافية هنا معناها «النار» كما يقولون. ومنذ ايام قرأت خبرا فنياً عن بدء العمل في تصوير فيلم مصري اسمه «البشكار» فتعجبت.. بشكار في مصر؟! وبالمناسبة كلمة «بشاكير» في مصر تعني فوط الحمام الكبيرة «جمع بشكير». ولا ادري ما اصل الكلمة.. اهو تركي ام فارسي المهم ماكدت افيق من دهشتي حتى علمت ان البشكارات في مصر هم فئة معينة من الجزارين «اي القصابين» الذين يتولون ذبح الحيوانات في المقصب او المجزر او السلخانة كما يسميها المصريون. والشيء بالشيء يذكر كما يقولون، فحركة الانسان نفسها قد يختلف معناها من بلد لآخر. واذكر اول مرة جئت فيها الى الامارات وكنت اذهب وزوجتي الى السوق لشراء شيء ما يلزمنا، فنسأل البائع ـ الذي يتصادف دائماً ان يكون هندياً ـ هل عندك كذا؟ فيهز الرجل رأسه ذات اليمين وذات اليسار فننصرف آسفين ونتجه الى بائع آخر في سوق آخر ـ ويتصادف مرة اخرى ان يكون من ابناء ذلك البلد الصديق الذي كان يوماً ما من اركان عدم الانحياز في زمان غير هذا الزمان ونكرر السؤال عن بغيتنا فيهز الرجل رأسه بنفس الهزة المتأرجحة يمينا ويسارا مثل بندول الساعة، فلا نضيع وقتاً ونسرع بالانصراف. وتكررت اللعبة اياما حتى اكتشفنا رجلاً يصر على هز رأسه بينما الشيء الذي نريد شراءه موجود امامه... وبعد حوار معه بالانجليزية تارة وبلغة الاشارة تارة اخرى، ومرة ثالثة وبلهجة السوق المركزي التي ابتكرها فنان الكاريكاتير العبقري حامد... اكتشفنا ان هزة الرأس تعني «نعم» بينما نعرفها في بلادنا على انها تعني «لا»!!