والله لو فعل ما فعل الانسان اليوم فلن يقول له احد «تلت التلاتة كام» على قولة اخوانا المصريين، فقد تفسخت المبادئ والاخلاقيات وبلغت تطرفاتها القسوى، وقد تنامى الذوق، الى متواليات لا نهاية لها وفلتت من جراب المنطق وصار الكل «فنتك» تحت شعار المجتمع العربي يتحضر، يتمدن، يواكب المستجدات الحديثة، يلهث خلف المبتكر وبالاجنبي الفصيح يتعولم. انظر الى اولادنا وبناتنا من اشكالهم الخارجية التي تنحت بمقاسات غربية مئة بالمئة الى دواخلهم التي اهترأت بالمستهلك والرخيص، الى ابتعادهم عن النهج القويم، الى استسلامهم لكل نموذج مستورد ومصدر عنوة.. انظر الى لباسهم واعوجاج السنتهم، تصفح ما يكتبونه عبر منتديات الانترنت ومواقع الحوارات المباشرة بالصوت والصورة.. جيل لا يطمئن ولا يبشر بالخير، جيل يهدد حاضر ومستقبل الامة، واني اتساءل هنا، هل يعقل اننا وصلنا الى الوقت الذي صار علينا الاعتراف فيه بان الغزو الثقافي وغسيل الادمغة، وضرب الامة اعتمادا على استلابها من شبابها وكل المخاوف التي كنا نتحدث عنها في الزمان القديم وعلى ايام شبابنا، قد حدث بالفعل.. هل علينا ان نعترف صراحة اننا هزمنا من ذلك الغزو الثقافي؟ ام ان علينا ان نغالط انفسنا ونخدعها ونقول اننا امام مرحلة تاريخية مفصلية من مفاصل الحضارة والتمدن، وان ما نحن فيه هو مؤقت وزائل بمرور الوقت. هذا جزء من رسالة مطولة بعث بها القارئ ابوفضل، او هكذا هو التوقيع الذي جاء في نهاية سطورها.. ابوالفضل الذي يبدو ان حزنه على شباب امته قد فاض عن الحد يقول في نهاية تلك الرسالة الطويلة التي جاءت على طول ثلاث صفحات: انا لست ضد التمدن والتحديث ولا ان يتولع ويتعلم شبابنا بالكمبيوتر، ولا ارغب ان يقول عني احد اني امي ومتخلف ولا «ارهابي»، حتى العولمة وحسب ما قرأت عنها وبحثت اشعر انها مهمة لنا ولحضارتنا لانها في الاصل حضارة قائمة على دين جاء لشعوب الارض كلها، وبالتالي فنحن اولى ان ندعو لها.. ولكن ارى الزمان ينقلب علينا ويصير ضدنا، وارى كل اسباب التمدن والتحضر تفيد غيرنا وتضرنا، وبالطبع فليس التطوير مضرا، لكن اسأل السؤال الحرج واتوه في بحاره.. لماذا الكمبيوتر عند غيرنا يجلب المفيد وعندنا يجلب السالب والضار، لماذا نأخذ من وجهي العملة الوجه الذي يمسخ اخلاقياتنا.. اشعر يا اخي ـ والكلام للقارئ ابوالفضل ـ ان من حقهم ان يتحكموا في العالم ويتحكموا في ادارته كيفما شاؤوا، واشعر انهم ما نظروا الينا بهذه الدونية الا لاننا لهثنا وراء قشور المدنية وابقينا لهم السيطرة على لبها... لهذا صار في الرقص والغناء الماجن حياة للشباب العربي.. وصارت ملاهي الحياة امه التي ترضعه.. موجعة رسالة ابو الفضل الذي يبدو ان من نفس رسالته انه خارج عن السرب تماما وكأنه يأتينا من نفق الزمن، وكأنه صديق لعنترة بن شداد، او جهم بن مرة..انه من ذلك الكهف الاصيل، لهذا تسمع بين سطور رسالته صرير ضلوعه، وتغرق في خوفه من المجهول الذي يراه قادما.. ابو الفضل ذيل لي في رسالته 15 موقعا على شبكة الانترنت يتبادل فيها الشباب والشابات العرب والعربيات كلاما وافكارا وصورا يمنعها الرقيب.. والضمير الاخلاقي ايضا.