يجب التفريق هنا بين أمرين مهمين عندما ندير الحديث حول دور المواطن في القطاع الخاص ادارة وتواجدا وتفاعلاً مع كل مجريات العمل فيه، ودور الشاب المواطن في ادارة العمل الخاص الذي ينتمي اليه، ففي الاول يبقى موظفاً يتسلم راتبه مهما وصل الى اعلى سلم الترقيات فهو اسير ذلك الموقع الذي يمكن ان يعرف مصيره فيه من الآن وقبل الولوج اليه من سيرة سابقيه. فأحد المواطنين قضى ما يقارب الربع قرن في احد البنوك فخرج منه بلا خفي حنين ولم يشجع احداً على الدخول الى هذا المكان العملاق الذي يجعل من المواطن فيه قزماً ولو وصل الى اكبر منصب في هذا المجال. اما في الثاني، الا وهو عندما يدير المواطن نفسه في مشروعه الخاص فلا يملك احد التصرف فيه لأنه مستقل بذاته يمارس عمله او تجارته خارج اطار رسميات، وتعليمات الوظائف المعروفة او المعروضة ولو كانت مغرية للبعض فالعمل الخاص اكثر اغراء لأن ارباحه مضاعفة لمن يعرف من اين تؤكل الكتف. فالتعليم في كل دول العالم هو المحرك الرئيسي في تغيير اتجاهات افراد المجتمع واهتماماتهم مع تجدد مطالب الحياة وفي الامارات لم يأخذ الى الان هذا الدور. فمناهج التربية والتعليم لم تساهم في غرس هذا المهدئ في نفوس الطلاب والطالبات ويمكن معرفة ذلك بالمرور سريعاً على وحدات المواد التي تدرس في المدارس والجامعات والكليات، لأنها مبنية اساساً على امل ايصال الخريج الى باب احدى مؤسسات الدولة وكفى. وحتى هذا الامل لم يعد له رنين ولا صوت في اذان ألوف الخريجين الذين يقفون على هيئة طوابير مادية او معنوية في قوائم الانتظار لسنوات ومع ذلك يراجع نفسه ودراسته التي اخذت من عمره اعز السنوات لتزل قدماه اليوم عند ذلك المكان الجامد. وبين هذا الوضع وذاك خرجت اصوات تنادي وعلى وجه السرعة بضرورة اعداد الخريجين لسوق العمل الذي تغيرت متطلباته وهكذا وبومضة البرق انتقلت المناهج في التركيز على الآلة الصماء او العمياء قبل تهيئة هذا الانسان نفسياً واجتماعياً لتقبل هذه الصدمة التكنولوجية، فصار البحث عن الحاسب الآلي وغيره من الاجهزة هو ما يشغل بال الطلبة واولياء الامور، علماً بأن طوابير المحتاجين الى العمل مليئة بشهادات الدورات التدريبية في علوم الكمبيوتر والمعلوماتية السريعة، ومع ذلك لم يكمن الحل في وضع الجهاز على الكتف قبل التفكير في بناء الانسان الذي يتمكن من الاعتماد على نفسه اذا لم يسعفه الجهاز على ذلك. ان هيكل الدولة العام يغلب عليه الجانب الاقتصادي منذ قرون وليس في ساعة النشأة، ومع ذلك كان تركيز دور العلم على ضخ المخرجات في القطاعات العامة على حساب القطاع الخاص ولم يتم توفير الامكانات اللازمة لبناء لبنات لمشاريع صغيرة او متوسطة تأخذ بأيدي الشباب المواطنين الى سلوك طريق الاقتصاد الحر البعيد عن ضغوط الوظيفة الرسمية التي لم تعد متاحة للجميع لتغير ظروف المجتمع. وبنظرة سريعة الى خارطة العمالة الوافدة بالدولة نرى مئات الالوف ممن يعملون في قطاعات حرفية وفنية وميكانيكية، ليس من بينهم مواطن واحد يمارس تلك الاعمال مع انها من اغنى مصادر الدخل للفرد. ووجود المدارس الفنية والصناعية والتجارية لم يساعد على خلق هذا الجيل الذي كان بامكانه ان يكون بديلاً محتملاً لمنع طغيان العمالة الوافدة، وسيطرتها على قطاعات حيوية لا يمكن لأي فرد الاستغناء عنها، وهذا الجزء لم يستثمر الى الان مع انه ليس بحاجة الى استكمال الدراسات العليا للولوج في هذا الباب من الاعمال الخاصة، فأعلى شهادة في اميركا يصل الى دبلومة سنتين بعد الثانوية يخرج الطالب بعدها متخصصاً في فن لا يحتاج من خلاله الى القطاع الحكومي للبحث عن عمل فيه.