دخل الأديب الكبير يوسف ادريس باحة القصر الجمهوري في «دار السلام» وتهيأ لمصافحة جوليوس نيريري رئيس تنزانيا وزعيمها.. لا أذكر هل كانت الزيارة ضمن وفد من وفود التضامن الآسيوي الافريقي أو كانت بدعوة موجهة شخصيا الى يوسف ادريس وهو سيد بارز من سادات الابداع القصصي في الأدب العربي المعاصر.. الذي قد نذكره أن يوسف ادريس، بحاسته الفنية العالية كان في حال أقرب الى النشوة الروحية كيف لا.. وها هو يتنسم عبير الغابة الافريقية ويتفيأ ظلال السفاري وتمضي خطواته متسارعة متحمسة فوق أديم التربة البركانية التي يتشكل منها الاخدود الافريقي العظيم الذي يقال انه يمتد جغرافيا من خليجي العقبة والسويس لينتظم البحر الأحمر كله ثم القرن الافريقي ليصب عند بحيرة تنجانيقا التي يتألف منها المقطع الأول من اسم «جمهورية تنزانيا المتحدة» حيث يكتمل المقطع الثاني، كما هو معروف، باسم زنزبار، الجزيرة الوداعة الى حضن المحيط الهندي بكل ما تحفل به من أصول عربية واسلامية تعود في معظمها الى عرب جنوب وشرقي الجزيرة العربية وخاصة أهل عمان. ربما كانت هذه المعاني كلها تجول في ذهن الفنان المصري العربي الكبير وهو يمضي الى مصافحة رئيس البلد الافريقي المضيف.. معلمو نيريري كما كانوا يسمونه وعلى سبيل المجاملة لم يجد يوسف ادريس على لسانه سوى عبارات قال فيها: - سيادة الرئيس.. أنا سعيد جدا بلقائكم وخاصة لأن هذه هي أول زيارة أقوم بها الى.. أفريقيا. ولم يشأ نيريري أن يفوت المسألة.. بل بادر بكل هدوء الى الرد فقال: - مستر ادريس.. اسمح لي أن أقول لك انك ظللت تعيش على أرض افريقيا طيلة سنوات حياتك! وكان الرجل معه حق فيما قال.. وما نظن أن يوسف ادريس ومن سواه فكر في مثل هذا الأمر مليا من قبل.. ان افريقيا - حدودها الشمالية بالذات تضم أكبر تجمع لشعوب الأمة العربية من غرب قناة السويس والذراع اليسرى للبحر الأحمر وحتى المغرب الأقصى وبلاد شنقيط في موريتانيا على ضفاف المحيط الأطلسي.. ثم من شطوط البحر الأبيض المتوسط الى دواخل القرن الافريقي عند جيبوتي والصومال وعلى مشارف منابع نهر النيل العظيم ثم الى قلب الصحراء الكبرى حيث تلتقي واحات ليبيا بحدود تشاد وتتمازج أو تتداخل أرض الجزائر باقليم السنغال. هكذا يكاد يكون الجزء الشمالي من افريقيا اقليما عربيا واسلامياً بالدرجة الأولى بمعنى طابع العروبة الغالب على جبهة افريقيا ورأسها ثم صدرها العريض. ورغم أننا ممن يرفضون فكرة التفسير التآمري لأحداث التاريخ، إلا أننا لا نستطيع أن نغض الطرف عن واقع «تاريخي» كما قد نسميه. وهو ما سجلته دفاتر أحوال القرن التاسع عشر وحتى النصف الأول من القرن العشرين - من مخططات صيغت وتشكلت في عواصم الغرب الأوروبي.. باريس ولندن وبروكسل بل ولشبونة وروما ومدريد.. وكلها كانت مشاريع للسيطرة الامبريالية لاستغلال موارد افريقيا بأساليب شتى.. ما بين إبادة البشر في الكونغو البلجيكي الى محاولة محو الهوية في تونس والجزائر في ظل مخططات «الفرنسة» والتفرقة اللغوية (تجني الجزائر حصادها المرير في أيامنا الراهنة) الى مخططات تحجيم القدرة وتقزيم الدور الاقليمي وكان ذلك هو محور أنشطة الاحتلال البريطاني بالنسبة لمصر وعلاقتها بالأمة (العرب) وبالقارة (أفريقيا) وبالجارة (وادي النيل). هكذا نشأت أجيال من بعد أجيال ولما تعد افريقيا في وجدانها حدود الاصقاع الغامضة البعيدة التي لا تحوي سوى الأدغال وممالك الحيوان وغريب النبات وحياة البشر في الغابة المفعمة بالأسرار.. تصحو على زئير الوحوش وتتواصل بواسطة الطبول التي تتناهى دقاتها عبر السهول والوهاد والهضاب والجبال.. كل ايقاع منها يحمل معنى لا يفهمه سوى سكان الغابة المبهمة وأهل الدغل المعتم الكثيف.. فهذا ايقاع غجري يعلن حرب الرماح والحراب وذاك ايقاع رقيق يحمل بشرى بمولود أو بعرس قريب.. وذلك ايقاع وئيد متقطع الأنفاس متهدج النغمات يحمل نعي انسان ويحدو رحيل الأعزاء في سفرة لا يعود منها أحد.. يكادون يتلاشون مع الرحيل.. تذوب أجسادهم وتتماهى كياناتهم مع جذوع الأشجار وقمم الجبال وقرص الشمس ومع ما ينبت من جوف الأرض من زهور برية ومن زروع مختلفة الأشكال والألوان والثمرات. هكذا تشكلت رؤيتنا لأفريقيا منذ كنا في فترات النشأة والتكوين.. مفرداتها لم تكن تعدو أشجار الغابة وأحراش الأدغال والناس ذوي الوجوه الداكنة السمرة ويستحضرهم الوجدان الطفل عند كل منا وقد أمسكوا حرابا بدائية وتعلو سحنهم ابتسامات أقرب بدورها الى بدائية الطفولة لا يكاد يستر أجسادهم سوى رقاع بسيطة من ثياب.. وكم ارتبطوا في هذا الوجدان بصيحات الحرب والفرح وأيضا برقصات الحرب والفرح.. وكانت كلها تصدر عن صور نمطية جامدة ظلت تعكسها في خيالنا الذي كان بدائيا أيضا أفلام هوليوود التي كانت تجعل نجمها الشهير «طرزان» بطلا شجاعا وفارسا مغوارا أقرب الى سيد الغابة وفتاها الجسور يصادق الحيوان وخاصة شيتا الغوريللا ويتنقل بين ساحات الأدغال قافزا من شجرة الى أخرى ومستعينا في خفة النمر بالجذوع ومتين الأغصان.. ثم ها هو يضاحك القرود ويلاعب شيتا الى أن يفوز بقلب حسناء الغابة.. فتاته الأثيرة الجميلة المشربة سحنتها بحمرة اليفاعة وشقرة البياض.. ولأنها في الغابة فقد أباحت هوليوود لنفسها أن تقدمها أمام الكاميرا في حال من الاستعراض الدائم لمفاتن جسدها اللهم إلا ما يستر ويغطي وكان ذلك للأسف في أضيق، أضيق الحدود! أفلامنا اليعربية العزيزة لم تقصر بدورها في هذا التصوير النمطي لقارة أفريقيا.. لو قيض لك يوما أن تصطبر على أحد أفلام الأبيض والأسود القديمة، فلن يفوتك مثلا عادة ادخال رقصة افريقية أو هكذا كان القوم يتصورون داخل الاستعراضات الغنائية التي تدور في الكاباريه إذ كان يشكل محور الأحداث التي يديرون حولها معظم قصص أفلامهم حتى توهم الناس أن المصريين يعيشون في كاباريه واسع عريض اسمه وادي النيل والدلتا. في الكاباريه - المرقص والمشرب يأكلون ويقيمون ويحلون مشاكلهم ويتعاملون مع صروف الزمن وأحداث الحياة، ذات مرة حاول سينمائي مصري اسمه «سمير لاما» أن يجدد المسألة فقدم فيلما عن مغامرات في افريقيا وطبعا جاء الفيلم صورة مشوهة تعيسة التواضع كما قد نسميها من مغامرات الهوليوودي العتيد الأخ طرزان.. وكان السبب هو قلة الامكانات عند المنتج وقلة الموهبة عند المخرج، ثم قلة البخت عند جماهير المشاهدين (وقد عاودوا الكرة حين قدموا عملا متلفزا أو سينمائيا بعنوان «عماشة في الأدغال» وجاء العمل بدوره شيئا بالغ الهبوط والركاكة. كوميديا جعلوا من بطلها الفنان الراحل محمد رضا كائنا فارغ العقل قليل القيمة). وحتى عندما حاولت السينما الأميركية تقديم أعمال فيلمية كبيرة عن افريقيا - ومنها مثلا فيلم «طريق الأفيال» فقد قدمتها من وجهة نظر استعمارية.. رفعت فيها من شأن الرجل الأبيض الذي جاء الى افريقيا من أجل تمدين القارة وتطوير شعوبها ورفع شأنها.. أين هذه الدوافع الايثارية النبيلة من سلوكيات الأفارقة السود الذين قدمتهم تلك الأفلام الأميركية إما في صورة الانسان الساذج الذي لا يدري عما حوله أو في صورة الخادم المخلص الأمين الى حد التفاني بالنسبة للسيد الأبيض القادم من بلاد الشمال، بلاد الثلج والضباب والحضارة.. أو في صورة الزنجي الأسود الشرير الذي لا يعرف سوى لغة تدمير الصروح واتلاف الزروع وباختصار لا يعرف ألف باء الحضارة التي جاء بها نجوم الفيلم ونجماته وهم يضطلعون بمهامهم المغرقة في روح الانسانية وتضحياتها. مسكينة.. قارة افريقيا.. عانت كل هذا الظلم وربما الاهمال المعرفي في ذهن جيلنا الى أن جاء عبدالناصر ليوقظ الوعي الموضوعي بها ويتحدث في كتاب «فلسفة الثورة» عن دائرة افريقية الى جانب الدائرتين العربية والاسلامية حيث تتداخل الدوائر الثلاث لتشكل المحاور الأساسية لنضال العرب في الزمن المعاصر. بعدها شقت أفريقيا طريقها من خارج الوعي الى هامش الوعي ومن ثم الى بؤرة الوعي.. إنشاء معهد الدراسات الافريقية في القاهرة.. توجيه اذاعات عديدة بمختلف اللغات المحلية في أفريقيا.. انطلاق الأصوات الشعرية بأجمل القصائد عن افريقيا.. الهموم والكفاح والأرض والانسان أشعار الفيتوري وعبده بدوي وجيلي عبدالرحمن وسيد الحردلو.. اطلالة الزعامات التاريخية تزور قاهرة عبدالناصر وتتردد أسماؤها في بيوت العرب: سيكوتوري.. جومو كينياتا.. مؤدبو كيتا.. قوامي نكروما.. وجوليوس نيريري.. يومها تسامعنا عن اسم زعيم تقدمي شاب حكموا عليه بسجن مؤبد في جنوب أفريقيا وكان اسمه نيلسون مانديلا.. ومرت موجات لا حصر لها في مياه النيل والنيجر والزمبيزي والكونغو.. وتغيرت الأحوال برحيل معظم الزعامات التاريخية.. ومع ذلك فقد اكتهل الوعي بأفريقيا وباشتراكها مع أمتنا في وحدة المصير. ذات يوم هّفني الشوق - كاتب السطور - لا لمجرد زيارة افريقيا ولكن لتهيئة سبل الاقامة بين ربوعها لفترة وقد تتيح لنا معايشة أهلها وفهم أحوالها و... تلك قصة تستحق - بعد إذنك - أن تروى.