بعد ان آب الرئيس الاميركي بوش بخيبة واضحة من جولته التعبوية للحرب القادمة ضد العراق، وجد نفسه محاصراً بجولات تحقيق طويلة بدأ الكونغرس يجريها عن تقصير الاجهزة الامنية، في موضوع مكافحة الارهاب، بدأ الكونغرس في صباح الرابع من يونيو الحالي باجراء تلك التحقيقات، ولذا كان لابد ان يستبق بوش ذلك الامر بخطاب عاصف يؤكد فيه موقفه الحازم من مكافحة الارهاب، ويدافع عن اجهزته الامنية التي تخضع لتحقيق قد لا ينتهي الا بنهاية هذا العام. اختراق الحصار هذا الحصار المضروب على الرئيس قد يتجه الى اختراقه بافتعال حالة حرب خارجية في اطار الحرب الاميركية العالمية الجارية حالياً ضد الارهاب ومن هنا ربما يتجه الرئيس الاميركي ـ دون الاعداد السياسي الكافي للمآلات ـ لشن الحرب على العراق، فذلك حدث ضخم ستصفق له الجماهير الاميركية بانتشاء وسيلهيها بالتأكيد عما يدور في أروقة الكونغرس من تحقيقات حول تقصيرات واخطاء الـ FBI والـ CIA واي انتصار ولو جزئي على العراق سيرفع من شعبية بوش ويحسن من اداء حزبه في انتخابات نوفمبر المقبل بالتأكيد. وحتى لو لم تعلن اي حرب ضد العراق، فإن مجرد تكرار الوعيد والتهديد هو مما سيرفع من اسهم الرئيس ويصوره بمظهر الحريص على قضايا الأمن القومي، ويرفع عنه الحرج الذي يلفه حالياً باصرار الديمقراطيين على استدامة التحقيقات ونبش الوثائق واستجواب الكوادر الأمنية من كل الرتب والمواقع. يمكن للرئيس الاميركي ان يستمر في اصدار التصريحات النارية لعدة اسابيع شريطة ان يختار الاماكن لاصدار تلك التصريحات، وقد بدأ باختيار افضل تلك الاماكن هذا الاسبوع باختياره للكلية العسكرية بويست بوينت لالقاء خطاب ناري فيها بمناسبة حفل التخريج السنوي للضباط حذر فيه الاميركيين لأول مرة لكي يكونوا مستعدين لاعلان الحرب الوقائية في اي حين، وقد ذكر بعض مساعدي الرئيس انه قد قصد استخدام هذا التعبير الذي يستخدمه لأول مرة حتى يؤدي الغرض المطلوب في تعبئة الرأي العام وراء الجيش، كما ذكر الرئيس تعبيراً تعبوياً آخر حيث اشار الى ان اعظم خطر تواجهه الولايات المتحدة هو عند المنحنى الذي امتزجت فيه التكنولوجيا بالتطرف، وقال ان على الشعب الاميركي ان ينتبه قبل ان يفيق على ضربات اخرى للمتطرفين يستخدمون فيها الاسلحة الكيميائية والبيولوجية ويسددونها الى البر الاميركي عن طريق الصواريخ الباليستية. لقد ابدى بعض المراقبين استغرابهم الا يذكر الرئيس دول محور الشر بهذا التعبير، حيث إنه قد فضل لاغراض دعائية ان يتجنب استخدام ذلك التعبير فهو يواجه من النقد داخلياً وخارجياً بما لا قبل له به الآن، ولكنه قام بتضمين تلك الدول في تعبير آخر ذي دلالة سياسية لا دينية عندما تحدث عن الحكومات الدكتاتورية غير المتزنة السلوك والتي تتسلح بأسلحة الدمار الشامل، وهنا لم يكن يعني سوى العراق وايران وكوريا الشمالية بالتأكيد وقد زاد الامر وضوحاً عندما استطرد في فقرة اخرى من خطابه ليحذر من خطورة تصديق مواثيق واتفاقيات دول يحكمها طغاة مستعدون للتوقيع على كل اتفاقيات حظر انتشار أسلحة الدمار الشامل، ولكنهم مستعدون ايضاً لخرق جميع تلك الاتفاقيات قبل ان يجف مدادها. اذن فلا مفر من الحرب ضد تلك الدول ولتكن اميركا هي البادئة بالحرب فذلك هو خير ضمان للأمن الأميركي ولأمن الكوكب الارضي قاطبة، وليستعد الشعب الاميركي لاعلان الحرب في اي حين، ولا يسأل عن السبب فليس ثمة سبب غير هذا ولا أخطر منه اذ لا يوجد خطر من اي دولة كبرى في العالم على اميركا، ولا على الامن الدولي انما يأتي الخطر كل الخطر من هذه الدول الصغرى، ومن تنظيمات الارهاب على اميركا وعلى العالم اجمع. وفي غمرة هجومه اللفظي الحاد على الارهاب والارهابيين نطق بوش بما لم يتوقعه منه احد على الاطلاق اذ انه لم يكن يناسب منطق الخطاب ولا مناسبته، ان يتطرق للتحليل العقلاني الهادئ بجذور ومسببات الارهاب وهنا ذكر بوش ان الهجوم العسكري على أوكار الارهاب سيرافقه هجوم اقتصادي استثماري وانمائي لمكافحة الفقر عبر العالم، وهجوم سياسي لنشر الديمقراطية وهجوم اجتماعي لحماية حقوق الانسان وصحته وعافيته لكن ربما كان المقصود من ذلك هو مجرد تمرير الهدف العسكري في ظلال الانمائي تماماً كما جرى في حملة اطاحة حكومة طالبان حيث نزلت الصواريخ والقنابل وجوالات الأرز معاً او ربما قصد بوش فقط ان يرد على النقد المبطن الذي وجهه له الرئيس الفرنسي شيراك عن عدم اهتمام الولايات المتحدة بمكافحة مشاكل الفقر في العالم الثالث. هذا ولم يذكر بوش في خطابه ما واجهه من اعتراض وتخذيل في جولته الاوروبية الآسيوية الاخيرة فليس في ذكر شيء من ذلك ما يدعم موقفه ولعله كان يخاطب تلك الاطراف الخارجية وهو يخطب في ويست بوينت بما يفيد بأن اميركا ستقود جهود الحرب منفردة اذا شاء الآخرون ان ينعزلوا او ينخذلوا وكان يخاطب غرور الاميركيين بصمته عن ذكر الاوروبيين والروس حاثاً اياهم على ان يتجاهلوا العالم اجمع اذا لم يؤيد كل مساعي دولتهم «فمن ليس مع اميركا فهو ضدها» كما ذكر في تعبير صارخ له في اول ايام الازمة ثم تراجع عنه. ومهما يكن فقد كان خطاب بوش موجهاً للشعب في الاصل حيث قصد به ان يدرأ به عن نفسه وعن ادارته تهمة التقصير في شئون الامن وهي التهمة التي ان ثبتت بشكل قاطع ستشكل مؤاخذة كبرى له وكيما يتفادى كل ذلك فلا بأس بأن يخوض حرباً خارجية لا علاقة لها بموضوع الارهاب وان يخوضها عن غير تخطيط جيد، وان يخوضها بالرغم من انه كان قبل اسابيع قلائل ينفي وجود اي قرار او خطة لخوضها هذا اذا كانت تشفع له عند الرأي العام وتطغى احداثها وتداعيات فصولها على ما يتداعى له الكونغرس بمجلسيه الآن من جلسات تحقيق لم يعهدها التاريخ الاميركي طوال مائتي عام. تزايد احتمالات الحرب ويبدو ان حظ الرئيس من السوء بحيث لن تشفع له كل تلك التدابير والخطوات ولكن ههنا تتزايد احتمالات شن الحرب على العراق، فلن ينفك الرئيس الاميركي عن اعتقاده بأن خوض الحرب افضل من عدم خوضها ففي خوضها ربما تحقق له مكسب سياسي وهو خاسر لا محالة ان لم يخضها وذلك مما يذكر بشأن الحرب الصاروخية التي لا مبرر لها والتي شنها كلينتون على السودان وافغانستان بينما كانت تحقيقات الكونجرس في شأن علاقته بمونيكا في آخر واضيق واحرج حلقاتها. وتتصاعد احتمالات لجوء بوش لشن الحرب على العراق مع تدفق المعلومات المتسربة من العملاء والقادة الوسطيين لـ FBIh CIA ولا يكاد يمر يوم الا وتظهر شهادة جديدة على امارات التقصير والاهمال واللامبالاة، وكان صاعقاً حقاً على ادارة بوش ما جاء على لسان الرئيس المصري حسني مبارك من ان المخابرات المصرية ابلغت رصيفتها الاميركية قبل اسبوع واحد من الحادي عشر من سبتمبر 2001 بأن تنظيم القاعدة ينوي شن هجوم واسع النطاق داخل اميركا نفسها، وقد اعترفت ادارة بوش بأنها استلمت ذلك الانذار الوارد من المخابرات المصرية ولكنها وقفت عاجزة حيال القيام باتخاذ الاجراءات الكفيلة باحباط ذلك الهجوم، وتعللت الادارة الاميركية بأن الانذار المصري جاء عاماً جداً وهذا هو العذر الذي تعلل به المتحدث الرسمي باسم البيت الابيض آري فيشر عندما سئل للتعليق على ادلاء الرئيس المصري مبارك بتلك المعلومة في لقاء صحفي اجرته معه New York Times بتاريخ 4 يونيو الحالي محاولاً تلطيف وقع الخبر على الرأي العام الاميركي وعلى ما يدور في الكونغرس ولكن التقطت الخبر معظم الصحف الاميركية وعلقت عليه تعليقات واسعة باعتباره خبراً ذا مصداقية عالية ومتسقاً مع اخبار عدة في ذات الاتجاه صدرت خلال الاسابيع الاخيرة. الطبيعة السياسية الواحدة هكذا تكاثرت المصائب على بوش من كل حدب وصوب بحيث تضاءلت فرصه في النجاة من عقابيلها جميعاً، وغدا قبل ان يتخلص من احدى المصائب حتى تلم به واحدة اخرى ادهى منها وما عاد يجديه الاعتذار ولا الانكار، ولذلك فإذا ما ضاقت عليه الحلقات تباعاً، فإن خياره الافضل سيكون خيار تصعيد الحرب عالمياً ضد الارهاب، وسيكون مشروع الحرب ضد العراق مشروعاً راجحاً، وقد يشعلها حرباً بدون انذار وقد تبدأ حرباً صاروخية، ثم تتلاحق خطواتها في حرب برية طويلة المدى، وكلما طال امرها كلما ادت دورها في التغطية على ما يدور من تحقيقات في لجان الامن بالكونغرس فلا فائدة من الحرب ان كانت خاطفة حتى لو ادت دورها في دحر الجيش العراقي واقصاء صدام حسين لأن الغرض منها ابتداء لم يكن شيئاً من ذلك قط انما كانت الحرب مداراة ودريئة ضد الكونغرس ولجان التحقيق. من هذه الناحية قد تتشابه تصرفات الحكام بغض النظر عما اذا كانوا حكاماً لدول ديمقراطية ام دكتاتورية فالقاعدة هنا ان افضل وسيلة للتغطية على المشاكل الداخلية الحادة المستعصية هي جر البلاد بكاملها الى حالة حرب خارجية والزعم بأن لا صوت يعلو على صوت المعركة واذا ادخل بوش بلاده في معركة ضد العراق فإنها تكون معركة من هذا القبيل والقصد منها هو ان يحمي نفسه من تحرشات الكونغرس، لا حماية بلاده من ارهاب العراق. ـ استاذ العلاقات الدولية ـ الولايات المتحدة