هل كان من الممكن تفادي هزيمة يونيو 67؟ في مناسبة مرور 35 عاماً هذا الشهر على الهزيمة قدمت قناة «الجزيرة» القطرية تحقيقا تلفزيونيا تحدث فيه شهود كبار من الذين مازالوا على قيد الحياة، من بينهم حسين الشافعي نائب الرئيس عبدالناصر وأمين هويدي مستشار الرئيس للامن القومي وسامي شرف مدير مكتب الرئيس. ورغم ان سبب او اسباب هزيمة الخامس من يونيو لم يكن المسألة المحورية المطروحة في التحقيق إلا ان هؤلاء الشهود الكبار قدموا اجابة ضمنية في سياق حديث كل منهم عن تلك العلاقة الجدلية ذات الطابع الشخصي العميق بين جمال عبدالناصر والمشير عبدالحكيم عامر الذي كان القائد العام للقوات المسلحة عندما اندلعت «حرب الايام الستة» كما اطلق عليها المعلقون الغربيون. وعلى هذا النحو كان مدار التحقيق التلفزيوني أشبه بمحاكمة تاريخية للمشير، وبالطبع لم يسلم الرئيس نفسه من الانتقاد. وبالرغم من تشعب الخلافات منذ وقوع الهزيمة الكبرى وحتى يومنا هذا حول من يتحمل المسئولية بالدرجة الاولى عن سببها أو اسبابها ومدى هذه المسئولية إلا ان هناك اجماعاً كاملاً على ادانة المشير عامر. هناك شرطان اساسيان يجب ان يتوفرا في شخصية ضابط الجيش في اي مستوى أو رتبة.. وهما الكفاءة المهنية «ويشمل ذلك الخبرة» والانضباط.. وتتعاظم اهمية هذين الشرطين الاساسيين على المستويات القيادية العليا، وباجماع الشهود والمؤرخين والمعلقين الذين زاملوا المشير عامر أو عاصروه فإن شخصيته كانت تفتقر الى هذين الشرطين. في الحقيقة لم يكن لعامر ما يؤهله ليكون القيادي الاول للقوات المسلحة المصرية حينما اعتلى هذا المنصب الخطير قبل اكثر من عشر سنوات من حرب 67 سوى الصداقة الشخصية المتينة والعريقة التي كانت تربطه مع جمال عبدالناصر وبفضل هذه الصداقة رقي عامر من رتبة «صاغ» «رائد» الى رتبة مشير دفعة واحدة متخطياً بذلك خمس رتب. ومن اول تجربة عملية حاسمة ظهر الفارق العظيم بين خطورة المنصب وتواضع قدرات عبدالحكيم عامر، فقد فشل في ادارة المعركة التي تعرضت لها مصر عام 1956 واطلق عليها «العدوان الثلاثي». ولولا عوامل خارجية سياسية ـ منها معارضة الولايات المتحدة لهذا الغزو البريطاني الفرنسي الاسرائيلي ومعارضة البرلمان داخل بريطانيا نفسها ـ لاستمر هذا العدوان في وجه جيش مصري يتراجع بسبب تخبط قيادته العليا في اتخاذ القرارات السريعة. هذه التجربة المبكرة وحدها كانت كافية لاقالة المشير واستبداله، لكن اعتبارات الصداقة الشخصية لدى عبدالناصر تغلبت على الاعتبارات الموضوعية. وربما كان لاعتبارات الصداقة الشخصية مع عبدالحكيم عامر وجه آخر لدى عبدالناصر فالرئيس عبدالناصر كان يدرك ان نظامه يظل في مأمن من الانقلابات العسكرية طالما بقي المشير عامر على رأس القوات المسلحة. وهكذا احتفظ عامر بمنصبه رغم افتقاره للكفاءة والانضباط الى ان وقعت الواقعة في 5 يونيو 1967. هذا يعيدنا الى السؤال المطروح: هل كان من الممكن ان تتفادى مصر الهزيمة لو ان القائد العام للقوات المسلحة كان شخصاً غير عبدالحكيم عامر؟ ما يمكن ان يقال هو ان الحرب نفسها ما كان لها ان تندلع اصلاً في هذه الحالة. ان مصر عبدالناصر لم تكن الطرف الباديء بالهجوم في تلك الحرب.. فقد بدأت الحرب بهجوم جوي اسرائيلي كاسح صبيحة الخامس من يونيو، لكن الخطوات التي اتخذها عبدالناصر قبل اندلاع القتال كانت من الخطورة على اسرائيل بحيث ان تلك الخطوات نقلت الحالة بين الطرفين الى حالة حرب. فقد اغلق عبدالناصر «مضايق تيران» في البحر الاحمر في وجه الملاحة التجارية الاسرائيلية مما ادى عمليا الى فرض حالة شبه حصار على اسرائيل.. مما فرض بالتالي عليها حتمية المبادرة بالهجوم لفك الحصار. وبطبيعة الحال ان عبدالناصر كان يدرك انه بقراره بمحاصرة اسرائيل بحرياً وضع مصر عمليا على حافة حرب، لكن بسبب عدم كفاءة القيادة العسكرية المتمثلة في عبدالحكيم عامر كانت حسابات عبدالناصر العسكرية غير دقيقة كما ثبت لاحقا. والآن وبنظرة متمهلة الى الوراء يمكن القول ان عبدالناصر ما كان له ليتخذ قراراً استراتيجيا خطيراً بنقل المواجهة مع اسرائيل الى حالة حرب لو انه تلقى معلومات دقيقة من القيادة العسكرية كانت حتما ستنصح بعدم الاستعداد للحرب، وبكلمات اخرى ربما لم تكن الحرب لتندلع لو انه كان على رأس القيادة العسكرية شخص غير عبدالحكيم عامر.